alexametrics
آراء

الرئيس قيس سعيّد لا يملك عصا سحرية ..

مدّة القراءة : 3 دقيقة
الرئيس قيس سعيّد لا يملك عصا سحرية ..

 

سيكون أسبوعا آخر حاسما في تاريخ تونس ما بعد الثورة، الحافل بالهزات .. فقد مرّ عام تقريبا على الإنتخابات الأخيرة وما زلنا نفتقد لحكومة مستقرة .. منذ حوالي شهر تم تكليف هشام المشيشي بتشكيل حكومته لكن لا وجود لهذه الحكومة إلى غاية اليوم .. صحيح أن هذا الوضع ليس حكرا على تونس لكن هذا الشكل من الديمقراطية له كلفته التي صار من الصعب علينا تحمّلها .. من المسؤول عن هذا ؟ هل نحن المواطنون مسؤولين عن الوضع الذي آلت له البلاد لأننا انتخبنا هذا البرلمان المتشظّي والمشتت .. أم هي مسؤولية سياسيينا الذين عجزوا عن الجلوس حول طاولة واحدة .. أو أن السبب يرجع لنظام سياسي لا يتماشى مع واقعنا أم هي كل هذه العوامل مجتمعة ؟.

 

شخصيا أميل إلى الاحتمال الأخير .. الكل يتحمّل قسطا من المسؤولية .. فالمواطن بحكم سذاجته، ما زال يؤمن ويصدّق أكاذيب وخزعبلات رجال السياسة وهو عاجز عن التميير بين الغث والسمين وبين الصالح والطالح فيهم. فعدم كفاءة سياسيينا أضحت أمرا جليا لا يستحق لإثبات .. فهم عاجزون عن تجميع أغلبية المواطنين حول برنامج واضح وقابل للإنجاز.

 

النظام الإنتخابي الذي أفرزته الترويكا الكارثية، أظهر حدوده وعيوبه ومع ذلك ما زال هو الفيصل في تحديد ملامح الحياة السياسية في البلاد .. ما العمل إذن ؟ في ظروف مماثلة، مثلما نلاحظ ذلك في الدول الديمقراطية، يأخذ رئيس الجمهورية بزمام المبادرة ويسعى إلى التقريب بين مختلف الفرقاء من أجل ضمان استقرار البلاد. لكن رئيسنا قيس سعيّد لم يختر اتباع هذه المقاربة، بل نقيضها تماما .. رغم أنه انتُخب من قبل 72 بالمائة من جملة أصوات الناخبين وما زال يحافظ على شعبيته المرتفعة في نتائج سبر الآراء.

 

الدستور ينص على أنه في صورة فشل الحزب الفائز في الإنتخابات، في فرض مرشحها إلى رئاسة الحكومة، فإن رئيس الجمهورية هو الذي يختار الشخصية التي يراها الأقدر على تحمّل هذه المسؤولية.. وقد اختار قيس سعيّد في المرة الأولى إلياس الفخفاخ لكن هذا الأخير فشل في المهمة، بعد أن تعددت غلطات حكومته أما الرئيس فلم يحرّك ساكنا رغم أنه الوحيد المسؤول سياسيا عن فشل من رشحه لذلك المنصب.. وبطبيعة الحال لم ننتظر منه أن يعترف بذنبه أو يعتذر عنه، بل على الأقل أن يقترح علينا شخصية وفاقية، إلا أن قيس سعيّد اختار في المرة الثانية هشام المشيشي غير المتضلّع في السياسة وهو نكرة لدى عامة الناس. 

 

حسب الأصداء التي بلغتنا من مختلف الأحزاب السياسية، فمن المحتمل أن لا تمر هذه الحكومة أمام البرلمان .. فحركة النهضة (54 صوتا) وحزب قلب تونس (27 صوتا) مترددان والتيار الديمقراطي (22 صوتا) قد أعلن بعد رفضه للحكومة المقترحة على غرار تيار الكرامة (19 صوتا) أي ما مجموعه 122 صوتا  ضد الحكومة. الأكيد أن الإجماع مفقود حول هشام المشيشي وفريقه الحكومي المكوّن من أشخاص غير متحزّبين ومثله غير معروفين، إذا ما استندنا إلى القائمة التي تم تسريبها الأسبوع الماضي. 

 

فالخطأ الذي ارتكبه قيس سعيّد في التعيين الأول هو أنه اختار شخصية غير مرغوب فيها من قبل رجال السياسة، أي شخصا لا يملك حزاما سياسيا. وعوض أن يتّعظ من الدرس ويتدارك غلطته، اقترف قيس سعيّد الخطأ ذاته مرة ثانية وكأنه ينتظر من الوصفة ذاتها نتائج مغايرة.

 

نحن اليوم أمام حكومة قد لا تحظى بثقة البرلمان، لكن يبدو أن رئيس الدولة له مشاغل أخرى .. فالإستقالات من ديوانه قد تعددت دون أن يحرّك هو ساكنا.. أداؤه من الناحية الإتصالية غير مستقر بل يترنّح أحيانا، لكنه لا يرى إلا من يصفّقون له، وما أكثرهم.. فهو خلافا للجميع يعتقد أنه على صواب .. وهل هذا معقول ؟

 

فقيس سعيّد رغم أنه المسؤول عن حالة الفشل، ما زال يحظى بشعبية واسعة .. أيكون السبب في ذلك تصرفاته الشعبوية؟ يبدو أن ذلك هو الأرجح.. فالرجل تعهّد طوال حملته الإنتخابيه بأنه سيكون ضد المنظومة القائمة، ضد الأحزاب، ضد الفساد، ضد كل شيء وأي شيء ..  فهو يعتمد على ما يُعرف بالنظام المجلسي وهي مقاربة تم التخلّي عنها منذ عقود .. حتى لا نقول إنه من أنصار العدمية .. وهذا أيضا غير مقبول

 

لكن رغم كل شيء يبقى قيس سعيّد يحظى بشعبيته لدى الناس وهو يعتقد أن هذه الشعبية تخوّل له فعل ما يريد ويشتهي حتى وإن كانت خياراته خاطئة. فهو يظن أنه سيفرض مرشحه بالقوة، رغم اعتراض الأحزاب السياسية .. بالنسبة إليه فإن ذلك التصفيق من حوله هو بمثابت "شيك على بياض" وكلمات التشجيع القادمة من بعض المواطنين هي هير دليل على أنه محق وعلى صواب .. فهل هذا معقول ؟

 

قيس سعيّد أخطأ في المرة الأولى .. وفي غضون أيام قليلة سنشهد جميعا خطأه الثاني، بفشل المشيشي في الحصول على ثقة البرلمان أي 109 أصوات على الأقل .. وحتى في صورة ما تحصّل على هذه الأصوات فإن حكومته لن تصمد سوى أشهر معدودة، نظرا لافتقارها الحزام السياسي وهذا أمر بديهي.

 

لكن قيس سعيّد يتجاهل حاليا كل هذه الاعتبارات ويسعى إلى فرض رغباته .. وها نحن نخسر، بسبب تصرفاته وتفكيره هذا، تسعة أشهر كاملة، دون أن يهتم للأمر.. فالبلاد في حالة غليان والأزمة الاقتصادية تعصف بأركانها بسبب أزمة كوفيد 19 لكن قيس سعيّد لا يحرّك ساكنا، بل يبدو أحيانا كما أنه يلهو. يوم الجمعة الماضي وتفاعلا منه مع ما نشرته جريدة الشروق، توجّه مرفوقا بالكاميروات، إلى إلى إحدى المخابز، ليشتري بعض الخبز حمله معه في كيس من البلاستيك.. لكنه لم يكترث لما سبّبه تنقلّه ذلك من اكتظاظ مروري زاد الحركة اختناقا بسبب خروج المصلين من المسجد إثر أداء صلاة الجمعة .. كل ما كان يعنيه وقتها هي صورته وهو في المخبزة.

 

الشعب في مأزق كبير لكن قيس سعيّد له اهتمامات أخرى .. هناك من ما زال يصفّق للرئيس في حين أنه من أبرز المتسببين في الوضعية التي نعاني منها اليوم .. البعض يعتقد أن رئيس الجمهورية بيده عصا سحرية، لكن قيس سعيّد لا يملك سوى خبز مصنوع من الفارينة والطحين .. وهذا ينسجم مع الكم الهائل من "الفارينة الفاخرة" التي يحظى بها حيثنا حل في غياب شبه كلي للنقد والإنتقادات ...

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter