alexametrics
آراء

عندما تغيب المرأة في يوم عيدها

مدّة القراءة : 3 دقيقة
عندما تغيب المرأة في يوم عيدها

يحضر الغنوشي وبقوّة أيضا.. ويحتفل عبر مواقع التواصل الاجتماعي ليبعث برسائله إلى المرأة التونسية.. متغزّلا بها وطمعا في استدراج بعضهنّ لخزانه الانتخابي عسى أن يرقّع الثقب الذي ظلّ يتسع هذه الأيام شيئا فشيئا..

يقول أجدادنا " لقاها فارغة فأقام فيها الأذان" ، وفعلا كان الجميع هذه الأيام منشغلا بما يراه من لغط سياسيّ وتدافع نسأل الله الخروج منهما بأخفّ الأضرار، ومرّ يوم 13 أوت باهتا على غير عادته. فمنذ 2011 كانت المرأة التونسية حاضرة لإثبات وجودها، والفضل في ذلك يعود إلى حزب الإخوان الذي كان متسرّعا في الشروع في برنامجه الاجتماعي، ولم يعط للمرأة آنذاك حقّ قدرها، فاستهان بحقيقة قدرتها على الحفاظ على مكاسبها، وذهب به الظنّ إلى أنّه يغزو أرضا مفتوحة.. والمرأة إحدى سباياه الذليلات الطيعات. لذلك كانت الاحتفالات بهذا اليوم ومنذ ذلك التاريخ وإلى السنة الماضية كان الاحتفال بهذا اليوم يتسم بالحياة إن لم نقل التوتّر والتشنّج، واعتبرته نساء بلادي محطّة تاريخية للاستدلال على أنّهنّ على العهد في الحفاظ على مكاسب استؤمنّ عليه.. تواصل هذا البريق مع الباجي، فكان يوما نسويّا بأتمّ معنى الكلمة : تستعدّ له القنوات التلفزية ببلاتوهات مباشرة وتستدعى فيه نساء يتحدّثن عن مطالبهنّ، ويقدّمن وصفا لوضع المرأة العاملة الصامتة .. وتحتفل به الصحف اليومية بطرق مختلفة من مقالات نسوية إلى حوارات ..

لكن ماذا حدث هذه السنة؟ صمت الجميع.. بما فيهم المرأة.. فهل هو مواصلة في الحداد على الباجي؟ وأستبعد ذلك.. هل كانت تلك الشعلة المتوهّجة نارا كاذبة وسرعان ما انطفأ لهيبها؟؟ كلاّ وألف كلاّ..

إنّما وببساطة لأنّ المرأة التونسية في هذا اليوم غارقة في مشاكل تونس السياسية مثلها مثل الرجل تماما.. وهذا لا يعني أنّها تخلّت عن مطالبها أو مكتسباتها وإنّما هي بصدد توظيفها.. وفي أثناء هذا التوتّر الاجتماعي والسياسي.. يقتنص الغنوشي ، كما عوّدنا على ذلك، الفرصة ليتسلّل إلى وجدان المرأة مغازلا ومتودّدا ، على طريقته طبعا.. فيدلي بتصريح يحيّي فيه المرأة التونسية بهذا اليوم " الأغرّ"، وطبعا هو أغرّ لأنّه لو كان يوما عاديا لكان قد امتلك المرأة وأدخلها حريم الإماء في معبده.. ويهنّئها بمكتسباتها و يثني على وعيها.. ولا يفرّط في فرصة غفلة بقية الأحزاب عن هذا اليوم ليقول: " المرأة ليست نصف المجتمع بل هي المجتمع كلّه لأن النصف الآخر يتربى في أحضانها أيضا ، والانتصارُ لحقوقها هو جزء من المشروع الذي نناضل من أجله منذ عقود" .. وبهت الذي كفر.. فإذا بالشيخ يقف مذكّرا لا مخبرا بأنّ حقوق المرأة هي نضاله الأوّل والآخر، بما أنّ المسألة جزء من مشروعه الإخواني.. وإذا بالرجل من أشرس المناضلين لإثبات حقوق المرأة .. في الحقيقة هذا القول قديم، ونحن لا ننكر ذلك لأنّه ذكره في حوار أجرته معه جريدة الإعلان التونسية في بداية الثمانينات.. وتجدينه سيدتي القارئة في كتابه القريب من نفسه " المرأة بين القرآن وواقع المسلمين" . في الحقيقة أعدّ الغنوشي هذا الكتاب ليحمل صفوة مواقفه من المرأة وهو عبارة عن مجموعة مقالات وحوارات.. ولست أدري لماذا كلّما فتحت هذا الكتاب أستحضر الكتاب الأخضر للقذافي، وقد يكون مرجع ذلك لاعتقاد الغنوشي أنّه حمّل هذا الكتاب مسؤولية اكتناز مشروعه الاجتماعي والمرأة هي الرسول الأمين لتحقيق هذا المشروع..

عندما قرأت بيانات الغنوشي المتتالية يوم 13 أوت استنجدت بكتابه " الدستور" عن المرأة، وألزمت نفسي بالتغاضي عن الأخطاء النحوية واللغوية الطاغية فيه وحجتي أنّ العبرة بالخواتيم لا بالشكل.. وقرأت الفصول التي تتحدّث عن تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، والفصول التي تقف عند مجلّة الأحوال الشخصية والمشروع البورقيبي.. وبحثت.. وبحثت عن مشروع الخريجي في الخروج بالمرأة من الظلمات إلى النور، وكل ذلك سعيا لإعطاء الرجل حقّه ، ولم لا يكون رفعا لمظلمة عنه ظلّ يكابدها سنين وسنين.. فإذا بي أجد ما يلي:

ü     أنّ خروج المرأة إلى الحياة العامّة مظهر من مظاهر التبرّج وهو نتيجة لسياسة "المؤسسات الرأسمالية التي استغلّت المرأة بالزينة واللباس وتفنّنت في إبراز مفاتن الجسد".. ونتيجة لذلك فالمرأة متاع والمرأة جسد.

ü     أنّ الامتداد الاقتصادي الرأسمالي خرّب طبيعة المجتمعات الريفية،" فانكسر الطوق الذي يحمي القيم الأخلاقية في الريف، قيم الحياء والشرف، وكان الاختلاط بعيدا عن النسب والقرابة والعشائرية مما يهدم فاعلية القيم التقليدية ( الحياء، الشرف، الخوف من العار..).. أمّا هنا فلا عشيرة ولا شرف "

ü     أنّ الاستعمار غذّى الثورة على القيم التقليدية ، وذلك عن "طريق المدارس ومؤسسات الإعلام" . أضف إلى ذلك الدور البورقيبي في تمييع المجتمع الذي ركّز خاصّة على العلاقات بين الجنسين والجري وراء مظاهر زائفة من حضارة الغرب، ولعلّ أبرز مظاهرها " المرأة ومساواتها بالرجل، فانطلق النظام البورقيبي مفتونا بالغرب يهدم بكلّ عنف أركان المجتمع القديم.. معتبرا أنّ تحرير المرأة كما تصوّره هو طريقه الأمثل إلى اللحاق بركب الحضارة، فجاءت مجلّة الأحوال الشخصية".

ü     وتلك إشكالية كبرى في تفكير الخريجي، فقد سهى وسبحان من لا يسهو أنّ تاريخ 13 أوت هو احتفال بمجلّة الأحوال الشخصية التي لو وجد مخرجا أو حيلة لأحرقها وأحرق من آمن بها، مثلما أحرق الزعيم بورقيبة سبّا وشتما لأنّه واضعها وفارضها.. اليوم يقف الخريجي هامسا في أذن المرأة التونسية وموحيا بأنّه ليس فقط من أنصار هذه المجلّة وإنّما من المدافعين عنها.. والغريب أنّه حاذق في الرمي بآرائه في سلّة المهملات دون أن يرمي بها في الزبالة العمومية ، وإنّما يحفظها في " المبرّد " عسى أن يحتاج إليها يوما ما.

ü     في الحقيقة ، من يقرأ مواقف الخريجي في الثمانينات ويقرأ للغنوشي من تصريحات في هذه الأيام إنّما هو قادم على أمرين جليلين: إمّا أن يصاب بحول في فكره ، فيكون أقرب إلى العمش الفكري منه إلى الصحوة الذهنية ، أو أن يتمكّن منه مرض مزمن، وهو السكيزوفرينية السياسية".. وتلك الطامة الكبرى..

ü     لذا عليك سيدي أن تختار بين أن تكون الخريجي أو الغنوشي، وإن اخترت الثاني فيجب أن تعلن صراحة عن تاريخ دقيق ، وتدعو فيه الجميع لحضور حفل" حرق ما كتبه الخريجي، فتخرج إلينا طاهرا نقيا، فنمدّ إليك أيدينا بالترحاب.. وإن اخترت الخريجي فعندئذ لتعد إلى كهف مواقفك من المرأة ولا توظّف التاريخ لعبة للرقص .. فالرقص مع التاريخ مرّ..

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter