alexametrics
آراء

ثماني سنوات من الثورة … ثماني سنوات من الكذب

مدّة القراءة : 4 دقيقة
ثماني سنوات من الثورة … ثماني سنوات من الكذب

 

هو يوم أسود بالنسبة إلى البعض وهو يوم إنقاذ البلاد بالنسبة إلى البعض الآخر وهو كذلك كابوس في نظر آخرين، في حين يرى فيه غيرهم بارقة أمل ... وبين آراء هؤلاء وانطباعات أولئك يبقى 14 جانفي بقطع النظر عن كل الاعتبارات يوما تاريخيا لتونس .. ورغم مرور ثماني سنوات على الثورة فالحصيلة ليست جاهزة بعد. هناك من مازال يتحسر على ما قبلها "كنا في امان وفي بحبوحة من العيش". في المقابل تجد من يعتبر ان الحاضر أفضل وان تونس بصدد تشييد أسس صلبة ودائمة لمستقبل أبنائها كما أن الهزات والصدامات أمر عادي وطبيعي.

 

مهما اختلف الناس في آرائهم ومواقفهم ووجهات نظرهم فان الثورة ليست حدثا عاديا في تاريخ شعب ما ومن الطبيعي للغاية ان يسعى البعض الى الاستفادة من مزاياها في حين تخرج طائفة أخرى خاسرة .. طبيعي أيضا ان تنقض زمرة من انتهازيين على الفرصة لافتكاك تلك الامتيازات والفرص مراهنين على ضعف وسذاجة من هم في غفلة من أمرهم.

 

ومن بين أولئك الذين فرطوا في الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها نذكر على سبيل المثال زين العابدين بن علي الموجود منذ 8 سنوات في المملكة العربية السعودية وعماد الطرابلسي الذي يقبع حاليا وراء قضبان السجن الى جانب عبد العزيز بن ضياء ومنصف الطرابلسي والجيلاني الدبوسي وثلاثتهم قد توفوا خلال اقامتهم في السجن أو إثر الخروج منه.

 

اما من بين الذين استفادوا من الثورة (بصفة غير مستحقة غالبا) ويحصون بعشرات الآلاف نذكر مثلا الرئيس السابق منصف المرزوقي وسهام بن سدرين رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة فضلا عن عدد هائل من الإسلاميين والمهربين والإرهابيين واللاجئين سابقين أو من يزعم منهم ذلك.

 

وبالرغم من انقضاء ثماني سنوات وصرف مليارات الدنانير مازال التونسيون يترقبون وينتظرون تحقيق أهداف الثورة .. حتى أن البعض منهم قد انتابتهم الشكوك إزاء ما إذا كانت الثورة أمر جيد أم سيء .. أحيانا يكفي ان تظهر صورة للرئيس الأسبق بن على في الشبكة العنكبوتية حتى تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي بين تعاليق من يأسفون لرحيله من جهة ومن يلعنونه من جهة ثانية .. ولعل ما أثارته صور خطوبة ابنته نسرين الأسبوع الماضي خير دليل على ذلك.

 

هذه التجاذبات والمشادات ليس مردها فقط الوضع الاقتصادي الكارثي الذي تتخبط فيه البلاد حاليا والذي من بين مظاهره أن اليورو أصبح يضاهي 3,5 دنانير تونسية مقابل 1,9 دينار فقط في 2011 كذلك الشأن بالنسبة للدولار الذي يعادل اليوم 2,98 د في حين كان في مستوى 1,43 د في 2011) وإنما كذلك بسبب جهلنا التام والمطلق للحقيقة .. من بين تلك الحقائق التي لم تكشف بعد ان أسبابا كانت وراء دفع بن علي الى ان يصبح ما كان عليه وخفايا ما حصل بالفعل أيام الثورة والاكاذيب التي يروج لها الانتهازيون والذي يحتلون منذ الثورة المشهدين السياسي والإعلامي.

 

ولتحقيق التهدئة المنشودة والمرور الى مرحلة متقدمة من مسار الثورة الطبيعي يبدو من البديهي ان نعرف كل شيء عما حدث قبل الثورة واثناءها .. الا اننا ما زلنا نجد بعد ثماني سنوات على مرور الثورة، سياسيين يدعون انهم ثوريون في حين انهم كانوا خارج الوطن قبل 14 جانفي 2011 .. البعض الاخر يدعون انهم من ضحايا النظام السابق والواقع انهم كانوا من رموزه وركائزه.. آخرون يتظاهرون ويتشدقون بالوطنية والنزاهة وبنظافة اليد في حين انهم مجرد بيادق واتباع لقوى أجنبية..

 

واجب الاصداح والكشف عن حقيقة ما حدث قبل الثورة وخلالها هو شرط لا غنى عنه للمضي الى الامام وتحقيق المصالحة بين كل التونسيين .. واجب الكشف عن الحقيقة من الأهمية بمكان مما جعل المشرع (المجلس الوطني التأسيسي) ينص عليه في الدستور وهو ما يجعله مبدأ غير قابل للنقاش الا اذا ما تم الاتفاق على غير ذلك (مثلما أوصى به نيلسون مانديلا) وذلك بطي صفحة الماضي والمضي قدما نحو مستقبل افضل .. لكننا بعيدون عن هذه الفرضية بسبب قلة النضج ومنسوب الحقد والسخط الكامن فينا.

 

في 2013 تم احداث هيئة الحقيقة والكرامة لتتولى مهمة الكشف عن الحقيقة، غير انها زادت الطين بلة وسمت الأجواء اكثر وكانت الحصيلة ان الهيئة لم تقم بالدور الموكول اليها فلم تكشف الحقائق بل كذبا وزورت التاريخ وقامت بتحريض التونسيين بعضهم ضد بعض. ولولا وجود وسائل الإعلام لفضح ممارساتها ووجود الباجي قايد السبسي في قصر قرطاج لكانت هيئة الحقيقة والكرامة سببا في اندلاع حرب أهلية في البلاد والمسؤول الرئيسي بل الوحيد عن ذلك هو سهام بن سدرين رئيسة الهيئة التي لولا مصطفى بن جعفر ومنصف المرزوقي ودعم كبير أمريكي ألماني لما تمكنت أبدا من الوصول لذلك المنصب بسبب ما يعرف عنها من حقد وكذب وتلاعب..

 

البعض يدافع عنها بالقول إن مهمة الكشف عن الحقيقة لا تقتصر على سهام بن سدرين بل تشمل كل أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة .. وهذا في حد ذاته ينطوي على شيء من المغالطة، إذ أن أعضاء الهيئة أجبروا على الاستقالة أو الإقالة، واحدا تلو الآخر، إلى درجة أن مجلس الهيئة فقد النصاب الذي يمكنه من الإجماع وأخذ القرارات .. فإلى جانب وسائل الإعلام وبعض السياسيين الذين أدانوا تجاوزات بن سدرين، هناك بعض أعضاء هيئة الحقيقة والكرامة المنتخبين على غرار الفقيدة نورة البرصالي وخميّس الشماري ومصطفى البعزاوي وليليا بوقيرة وكذلك زهير مخلوف الذي تعمدت بن سدرين في عديد المناسبات إهانته علنا. هؤلاء الأعضاء كان انتخبهم البرلمان لكشف الحقيقة غير أنهم مُنعوا من ذلك لأن رئيسة الهيئة واللوبي التابع لها تمسكوا بقول جزء من الحقيقة، "حقيقتهم". فمن مظاهر تلاعب بن سدرين بالهيئة، إبرامها لاتفاق خلال الأسبوع الماضي مع القضاة يقضي بعدم متابعتهم.

 

ثماني سنوات مرت على الثورة تم في نصفها الثاني إهدار عشرات الملايين من الدينارات ضُخّت في حسابات هيئة الحقيقة والكرامة وما زلنا نجهل حقيقة القنّاصة (ديسمبر 2010 / جانفي 2011) .. استوى بعد كل هذه السنوات الشهداء الأبرار والمناضلون والنزهاء بالعصابات وقطّاع الطرق والخونة .. بعد كل هذه السنين مازالت الأطراف الرسمية تعتبر الإسلاميين ضحايا دكتاتورية بن علي دون الإشارة إلى أن البعض منهم كانوا إرهابيين حقيقيين .. ما زال يعتبر آخرون أن أصدقاء المرزوقي تم قمعهم فترة الحكم السابق، في حين أن منهم من كانوا مخبرين للبوليس ومحتالين ممن غادروا البلاد هربا من العدالة .. لا أحد يقول أبدا إن ألد عدو للإسلاميين الذين تم تعذيبهم والزج بها في السجون هم الإسلاميون أنفسهم ممن وشوا بهم لبن علي .. كل هذه الحقائق صمتت عنها هيئة سهام بن سدرين لأنها حقائق مزعجة .. لكن مهما كان ثمن هذه الحقائق فهو أقل من ثمن الأكاذيب .. اللهم تم الاتفاق على اتباع خيار مانديلا.  

 

مرت ثماني سنوات على الثورة ولا شيء سوى شتم وانتقاد بن علي والنظام السابق دون فسح المجال له للتعبير عن رأيه وسرد وتقديم روايته .. الكل لا يتحدث إلا بسوء عن الفترة السابقة لسنة 2011 والحال أنها شهدت بعض النقاط المضيئة والإيجابية ما بين 1987 و2011.

 

لكن من واجبنا أيضا بعد هذه السنوات الثماني إدانة هذه الكذبة الكبرى التي تروّج وتسوّق لها هيئة الحقيقة والكرامة و الإسلاميون والإرهابيون الذين تم تبييضهم والمرزوقي وبن سدرين وكل اشباه الثوريين والإنتهازيين.

 

في تدوينة لها على موقع التواصل الإجتماعي "فايسبوك" دعت النائبة ليلى الشتاوي صباح اليوم الإثنين، 14 جانفي 2019، إلى إحداث لجنة برلمانية يتم تكليفها بكشف الحقيقة عما جرى من أحداث خلال الفترة من 17 ديسمبر 2010 إلى 14 جانفي 2011. إن المطلوب اليوم أكثر من ذلك، عبر طي صفحة هيئة الحقيقة والكرامة وتحييد سهام بن سدرين حتى تكف عن الأذى وإحداث هيئة أخرى تتكون من أشخاص نزهاء وخبراء ومستقلين لا هم لهم سوى كشف الحقيقة والعمل على إرساء مصالحة حقيقية بين التونسيين وإلا فإن البلاد ستكون عرضة للانتهازيين من كل حدب وصوب وستواصل جرّ ماضيها بخيباته وسلبياته.. بل أسوأ من ذلك فإنها قد ترى أولئك الإنتهازيين والإرهابيين يعتلون مناصب عليا في الدولة، من وظائف في الإدارة إلى منصب رئاسة الجمهورية، مرورا بمقاعد في البرلمان والمناصب الوزارية.

 (ترجمة للنص الأصلي بالفرنسية)

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter