alexametrics
آراء

إلى الأستاذ سعيد: هل نطقت عن هوى؟

مدّة القراءة : 3 دقيقة
إلى الأستاذ سعيد: هل نطقت عن هوى؟

 

استمعت إلى تعليل الأستاذ سعيد مثل غيري من التونسيات والتونسيين.. وآثرت في البداية الصمت، وذلك لسبب واحد وبسيط، ولا يحمل تاويلا: فقد قرأت موقف الرجل على اعتبار أنّه اجتهد في تعليل سبب رفضه للمساواة لا أكثر ولا اقلّ. ولكن، ومع ذلك ظللت طيلة هذا الوقت أقلّب كلامه تارة يمينا وطورا شمالا .. وكنت كلّ مرّة أنتبه إلى مطبّ من المطبّات التي قد يقع فيها الإنسان وهو يتابع كلامه الذي ارتقى ، وبقدرة قادر في مستوى كلام الأنبياء.. وعندئذ رأيت ان اتوجّه ببعض الملاحظات إلى السيد سعيد، لأقول له:

بما أنّ حديثك لم ينطق عن هوى عند الكثيرين، بل هو في نظرهم وحي يوحى أجدني مجبرة لأن أفتح معك بابا في النقاش، وأرجو أن تتابعه وقد تخففت من مسلّماتك. فقد بنيت حديثك التعليلي لرفض المساواة في الإرث على أساس مقالة "العدل الإلهي". وأنت سيدّ العارفين تعلم أنّها مسالة كلامية شائكة أحرجت القدامى وكانت سببا في خروج البعض منهم تحت راية الاعتزال. لكن ، يبدو أنّك تقصي هذه الحقيقة، إن جهلا أو قصدا لتحيك لنا نسيجا تراه أنت متماسكا، ولكنّه في الحقيقة متهافت ومركّب في افتعال.

في الحقيقة ولا أنكر أنّ ما قدّمت من تعليل لا يتجاوز ما احتمى به الإخوان بتونس في رفضهم لمبدإ مساواة المرأة بالرجل ، ولكنّك حرصت على أن تضيف نقاطا أردت بها أن تتميّز عن هؤلاء تميّز العارفين. فإذا بك تحلّق في سماء من الفرضيات، سماء لا تغطّي واقعنا التشريعي الذي يحتمي به مجتمعنا التونسي منذ سنة 56 .. فإذا بك تأتي ببدعة تأويلية.. بدعة ترمي بها الناس في النار، وأنت معنا، لتقول لنا "إن العدل ليس بالمساواة" وتستشهد بمقالة ايدولوجية ترتعش من الهزال ، بل هي مهترئة لكثرة تداولها بين من افتقد الحجّة المقنعة، لتقول: إن الله في خلقه للرجل والمرأة كان عادلا من حيث مبدإ القوامة، وعليه فإنّ ضعف حقّه في الميراث يعود إلى مبدإ التكليف بالنفقة والسهر على هذا المخلوق " الضعيف " الأعرج" و "العليل"...

أثارني هذا التعليل مثلما أثار غيري، وذلك لعدّة أسباب ، ألقي ببعضها إليك وإلى القرّاء:

ü     هل تعيش يا سيدي واقعنا التونسي؟ أمّ إنّك احتجبت عنّا؟ ألم تعترضك تلك المرأة العاملة التي أكل الشغل أصابعها حتى توفّر القوت لأبنائها، وخاصّة حتى توفّر " مصروف" بعلها؟ هل تقيم علاقتها بأفراد عائلتها على مبدإ القوامة؟ ورجاء لا تتعلّل بأنّ هذا النموذج يمثّل قلّة قليلة من التونسيين، وخاصّة أنّك جبت البلاد حلاّ وترحالا بين المقاهي لتلاحظ أنّ جلّ من التقيت من الرجال " الذكور" ولسن نساء من ذوات " الخدور".

ü     هل بلغك أخبار عن هؤلاء النسوة أو الفتيات وقد أكلت الفاقة أجسادهنّ لتوفير بعض من النقود طمعا في سقف يجمع الإخوة والأب والأم؟

ü     هل من العدل الالهي أن تقرّ لهذا الصنف من الرجال وقد كفلته المرأة أن يكون نصيبه من مالها ضعف حقّها منه؟

ü     ألا تشعر يا سيّدي أنّك تنطلق من أرضية عشائرية، طغى عليها الرخاء، والمرأة فيها من صنف " نؤوم الضحى" أو " الرداح الهيدكر" و " اللهاث"؟ ولعمري تلك هي مقاييس الجمال عند العرب في جاهليتها، وقد اقترنت بمدى نعيم العيش الذي اغرقها فيه الرجل ، نعيم تقرأه في جسمها البدين وفي تحريك خطاها الثقيلة فتجرّ رجليها جرّا وإن كان لها صوت فهو لهاث لقلّة حركتها ؟؟؟ فأين نحن اليوم من نساء العهود الخوالي؟؟ ألم تدرك يا سي سعيد أنّ المرأة اليوم هي تلك التي اعتبرها القدامى من صنف " حشف العامّة"، صنف كادح وعامل، ولا عيش له إن لم يسع إلى قوته؟؟ نحن يا سيدي نساء الحشف ولا يهمّ إن كنّا من العاملات الكادحات أو الخبيرات، لأنّنا ننطلق من مبدإ التكليف سعيا إلى تأسيس مجتمع قوامه المساواة والاعتراف بإنسانيتنا كاملة ولا تحتمل قيدا أو شرطا.

ü     آسفة لأقول لك: حفظت الشكل وغاب عنك الجوهر، وهيهات فإنّ المجتمع استفاق، ولا حياة لأية مقاربة فقهية ما لم تحاور طبيعة المجتمعات، وذاك هو مشغل الحيل الذي احتاج الفقهاء عبر العصور إلى الاستنجاد به.

ü     أقول لك أيضا: حذار ، فحرصك المتكلّف حتى تتقمّص شخصية الإمام المفتي قد خلع عنك جبّة الإمام.. حذار فبين الإيمان والكفر شعرة دقيقة، وكم حذّرنا منها القدامى: حذار فالعدل يحمل في مضانّه المساواة، وكلّ مبدإ منهما يمثّل وجها لعملة واحدة. لأنّ العدل لغة ضِدُّ الجَوْر، واصطلاحا هو تنزيه الله تعالى عن فعل القبيح، كما يقول القاضي عبد الجبّار. وعلى هذا الأساس فإنّ الإقرار بالتفاوت بين الناس هو إقرار بأنّ الله جائر ، وحاشى الله تعالى أن تكون له هذه الصفة...

مقاربتك سيدي لا تتجاوز مقاربة القدامى الذين ظلّوا أسرى مسلّمات تحكّمت في مجتمعات القرون الأولى، مجتمعات كانت تسمّي المرأة بالقارورة.. وتنعتها بالنعجة، وتنصح الرجال بإسكان النساء الغرف ورفع القلم عنهنّ، والغرف هي بيوت تبنى في طوابق علوية يحكم إغلاق أبوابها لمنع الحريم من الخروج.. وذاك هو عصر الحريم.. فإن حكمت على المرأة بمثل هذه الأحكام فإنّك تحكم علة نصف المجتمع التونسي بالنوم أو الموات الزؤام ، فهل هذا هو برنامجك الاجتماعي والاقتصادي والسياسي؟ فعلا برنامج لا يختلف عمّا قام به الحاكم بأمر الله في مصر.

حديثك عن العدل والمساواة يتنزّل في سياق واضح، سياق ينزّل الرجل الذكر باعتباره خليفة الله في الأرض، وما النساء سوى " عوان" ، أي اسيرات. مثلما يتنزّل في سياق " تعدّد الزوجات" ، والمساواة بين الزوجات ليست سوى عدالة الرجل في القسمة بينهنّ..

فحذار إذن، فتلك هي الشعبوية التي تسقط المرء في التناقض، لأنّ العدالة الهية لا تكتمل من خارج منظومة المساواة,, لذا ، قنا يا سيدي مثل هذا الهذيان الذي لا يؤول بالإنسان سوى إلى الضياع، واجتهد في أن تقدّم لنا مداخلات لا متحرّرة من الشعبوية وتتوق إلى نقاش يجمعنا و لا يفرّقنا.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية