alexametrics
آراء

بلى.. إنّه التدافع

مدّة القراءة : 4 دقيقة
بلى.. إنّه التدافع

 

بماذا نفسّر اجتماع هذه المصائب على رؤوسنا في فترة واحدة؟ ومن يقف وراءها؟ سؤال قد يستفزّ البعض، لكنّه تحوّل إلى حقيقة تصدمني كلّ يوم، حقيقة أقرؤها في الأحداث اليومية التي تمرّ بها بلادي. وإلاّ بماذا نفسّر هذه الصدف مجتمعة ؟ صدف تركّز على إلحاق الأذى بصغار: من رضّع ... إلى أطفال في نعومة أظفارهم؟

لقد تحوّل أطفالنا يا سادتي إلى فريسة اليوم.. تلعب بهم أيدي الموت وتلعب بهم سموم قتل الروح والأمل.. وتلعب بهم آلة عظيمة وتتعاظم كلّ يوم لتدمّر عقولهم الغضّة..قد ينتفض أحدهم ليتهمني بأنّي أسلك طريقا شعبوية في طرح قضيّة .. بل وقد يسترسل ليرميني بالتوظيف السياسي لآلام الناس.. لكن أقول له:

يا لائمي هلاّ نظرت فيما آل إليه أبناء تونس؟ ويا أيّها المتفطّن إلى حال مستشفيات أطفالنا التفت قليلا إلى حال قاعات الدرس التي يتردّدون عليها يوميّا لتلقّي " نور المعرفة" .. بل ما رأيك لو أدرت نظرك وبحثت عنهم في دكاكين وبيوت أغلقت عليهم أملا في مزيد العلم؟ ماذا لو تحلّيت بشيء من الصبر واطلعت على ما يتلقّنه طفلك الصبيّ الغرّ من دروس؟ وإن كنت تتهرّب من هذه الحقائق فها إنّي اذكرها وسأدفعك حتما إلى أن تفتح عينيك للغول الذي انقضّ على ابنك أو ابنتك:

حالنا اليوم هو شبيه بحال " السردوك .. ساقيه في الغرم ويعوعش" .. فقد خدعونا بأكذوبة هي خلاّبة في شكلها لكنّها أفرغت من معانيها، وكم هم مهرة في إفراغ الألفاظ من معانيها الأصلية: قالوا لنا : أبشروا فأنتم الشعب الوحيد من بين العرب الذي يتمتّع بحريّة التعبير.. لكم أن تنقدوا .. ولكم أن تسبّوا، ولن تواجهوا قيدا أو ضابطا يسكتكم" وانسقنا إلى هذه الخدعة التي كانت بمثابة الحلم السراب.. وتلهّى كلّ منّا بالتنبيه والتحذير ولم يقف أمامنا حزب أو حاكم.. لا أنكر أنّ مفعول هذه الظاهرة كان إيجابيّا في الأوّل، وأنّنا استطعنا في لحظات حاسمة أن نعدّل من مواقف كثيرة، لكن، حذار فتوفيقنا انحصر في الجانب السياسي، وبصفة أخصّ في مواجهتنا للترويكا.. وإن كان لحرية التعبير دور إيجابي فلأنّ المجتمع تحرّك آنئذ قولا وفعلا، ملأ الدنيا كلاما والشوارع بحضوره.. عندئذ كان لحرية التعبير معنى..

أمّا اجتماعيا، وهنا بيت القصيد: ولعلّي أبدأ حديثي في هذه النقطة بسؤال: هل تراجعت السياسة الجديدة الحاكمة عن مشروعها الحلم؟ وخاصّة بمواجهتها مجتمعا رافضا لها.. طبعا لا ، بل اهتدت إلى طريق أخرى تتحاشى أن يراها الناس ، لكنها انغرست أيّما انغراس في وجدانهم .. أدرك الإسلام السياسي أنّه بإمكانه أن يستغلّ هذه الجهة لتغيير المجتمع من داخله؛ لذلك تراه حوّل وجهته في صمت منذ نكسته في 2013 مع المجتمع المدني ؛ ووجد أرضية خصبة عذراء يسهل حرثها واختيار البذرة التي ستزرع فيها.

لا أنكر يا سادتي أنّ الإسلام السياسي وفّق أيّما توفيق في حقل تجربته الجديد، ونفهم ذلك عن طريق التحوّلات الظاهرة للعيان في المجتمع، لعلّ أهمّها ما اصطدمنا به منذ شهر من ظواهر تنبئ أنّهم تقدّموا أشواطا في مشروعهم.

وأوّل ما شرعوا في تغييره هو صورة تونس العميقة، تونس الصادقة والبسيطة في مقارباتها: وفي الحقيقة هم لم يأتوا بجديد، ولم يخدعوننا البتّة.. فقد أعلنوا عن برنامجهم السياسي والاجتماعي منذ 2011، وثرنا آنذاك وانتفضنا ضدّهم.. لكن ، وعذرا، كنّا نتّصف بالسذاجة أو قل بطيب النيّة عندما توهّم الكثيرون منكم أنّهم عدلوا عن حلم زعمائهم الأوائل، واغترّ الكثيرون بما عبّروا عنه من تراجع عن إنشاء مجتمع ديني. ولعلّ السيد الباجي رئيس جمهوريتنا ، برؤيته الاستباقية ، ساعدهم في استرجاع مكانتهم ، وذلك بتحالفه معهم وتقريبهم له حتى على حساب من صوّت له أملا في الخروج من " عنق الزجاجة" كما كنّا نقول.

واليوم، بل وفي هذه السنة بدأت سياسة التوافق التي احتموا بها تؤتي ثمارها: وعلينا أن نسمّي الأمور بأسمائها الحقيقية  لنقول :

 بدأت سياسة التدافع التي أنبت بذورها الغنوشي في مجتمعنا الطيب في بساطته تينع وتنمو.. فهل نسيتم هذه اللفظة؟ أجل وأنا أيضا غفلت عنها طيلة هذه المدّة، واعتقدت أنّ زعيمهم تخلّى عنها ، لأنّنا مجتمع واع وناضج، ولكن، إنّه رجل وفيّ لمبادئه ولا ينام عن شواردها.. وإن واجه صدّا فهو يعيدها إلى أحضانه ليحفظها من كلّ نقد أو سوء ثمّ يتسلّل بها بعيدا عن الأنظار ليغرسها في جسمنا. نحن اليوم نعيش " حالة التدافع" وتجاوزنا اعتباره " ظاهرة" كما يقول صاحب النظرية، ويفسّر هذه الحالة بقوله إنّه " وهي نقطة اللقاء بين حركة الشارع وتجسير العلاقة مجدداً، بين جناحي الحركة الوطنية، الإسلاميين وغيرهم، مع اهتزاز تماسك السلطة، فإذا أضفنا إلى ذلك نضج البديل المدني المقبول محلياً وخارجياً؛ كان التغيير". وذاك هو التدافع عند الغنوشي، ويوظّف في معنى الفوضى الخلاّقة ، وقد يصفونها بالبنّاءة، وهناك من المنظّرين من ينتشي بنعتها " بالتدمير البنّاء": وهي نظرية ترى أن وصول المجتمع إلى أقصى درجات الفوضى متمثلة بالعنف و الرعب و الدم، يخلق إمكانية إعادة بنائه بهوية جديدة.

واليوم اقرأوا مظاهر التدمير التي يعيشها مجتمعنا من هذا المفهوم تدركون أنّ:

  • السعي الحثيث إلى زرع محاشد جهادية تحت راية " تدريس القرآن" إنّما هو لأجل تكوين جيل قتالي لا يدرك سوى القمع وفي ذهنه أنّه يرسي كلمة الحقّ. ولكم في الرقاب شاهدا... والويل لمن يشكّك في صدق النوايا.. فمآله جهنّم دنيا وآخرة.
  • خلق فوضى في مدارس الدولة ، لأنّها مدارس مبنية على الكفر والزيغ تنتصر إلى العقل على حساب الطاعة والاستسلام الإيماني.. وطاعة ولي الأمر من طاعة الله.. فينفر منها المجتمع البسيط الساذج ليسلّم مصيره إلى أصحاب طريق الحقّ.
  • انتشار ظواهر اغتصاب الأطفال، في جميع الأماكن، وحتى في الميضات إن اقتضى الأمر أو في قاعات الدرس.. وفي هذه العملية  " يضربو عصفورين بحجر واحد": دمار وهلع ونشور...
  • انتشار " الحلوى المخدّرة" بين التلاميذ، وخلق أجواء هي شبيهة بحال النشر.
  • تسريب أفراد ، هم بمثابة الجهاديين، وتحت غطاء العفو التشريعي العام، لتدريس أبنائنا تلاميذ كانوا أو طلبة.. لكن حذار أيّ نوع من التدريس؟؟ وبأيّة طريقة بيداغوجية؟؟ ولكم في التعسّف على القرآن وإقحامه في مادّة الفيزياء خير مثال، وفي كسر نظرية دوران الأرض والمناداة بأنّها مسطّحة خير شاهد.. حتى أنّنا صرنا حديث القاصي والداني..

 

ولتحقيق هذه الغايات يجب أن تتوفّر آليات تضمن انتشارها في وقت قصير جدّا ، وفي لحظات انشغال الناس واطمئنانهم حتى يسود حال الإرباك.

نقطة أخيرة أقف عندها: لماذا اختارت سياسة الفوضى الخلاّقة اغتصاب الطفولة؟ والجواب بسيط، وبسيط جدّا: لأنّ في اغتصاب الطفولة قتل لإنسانيتها .. ووأد لفكرها.. وإرساء فرد مستسلم متخاذل ومستقيل، فرد هو أشبه بالإنسان ولكنه أقرب إلى الجماد، فرد عاجز عن النظر وفي انطوائه على نفسه يعلن مواته إلى حين الموات الأكبر..

قد أسأل أيضا كيف لهؤلاء المغتصبين أن يقوموا بفواحش ، وهم في أصفى لحظات تعبّدهم؟ أليس مظهرا صارخا من مظاهر العصيان لله؟

وجوابي بسيط أيضا: فهؤلاء ينطلقون من مقاربة فقهية أرستها الشريعة، وأكتفي بنقلها كاملة حتى لا أتّهم بالتجنّي: " قال القاضي لا حدّ على من وطىء صغيرة لم تبلغ تسعا لأنّها لا يُشِتَهى مثلها ، كَذَلِكَ لَوْ اسْتَدْخَلَتْ الْمَرْأَةُ ذَكَرَ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا: فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا". وتعليلهم أنّ وطء الصبي/ الصبية هو شبيه بمن وطئ ميتة.( ولكم أن تراجعوا ابن قدامة في كتابه المغني،ج10، ص 152).

وذلك هو قانونهم ، بل ودستورهم الذي يحتكمون إليه في تبرير أعمالهم في دنياهم.

كرة الثلج تحرّكت ولن تتوقّف.. ولن تخفّف من جزعنا وقلقنا إلاّ.. إذا نهضت إرادة سياسية حاسمة قادرة على مواجهتها ورشّها بماء ساخن غلا في عروقنا ولن يبرد إلاّ بعد تحوّلها إلى ماء ساكن يروي الأرض المدمّرة..

وذاك ما سنتناوله في مقالنا القادم..

 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter