alexametrics
آراء

تونس ليست دولة ديمقراطية ولا الشعب كذلك

مدّة القراءة : 5 دقيقة
تونس ليست دولة ديمقراطية ولا الشعب كذلك

  

هناك اجماع حاصل لدى التونسيين بأنّ النخب السياسية والفكرية والثقافية عجزت عن إيجاد الأجوبة الحقيقية للأسئلة التي يطرحها الواقع التونسي بكلّ تناقضاته؟

كانت المعطيات قبل الثورة في مستوياتها الاقتصادية عموما إيجابية، ولكن لا يمكننا الحديث عن نجاح اقتصادي إذ كان الفقر والتهميش مسيطران على أغلب الفئات الشعبية، فالاقتصاد كان مجرّد معطيات وأرقام إيجابية ولكنها مفرغة من محتوياتها الاجتماعية والتنموية.

كانت الثورة، في جانب من جوانبها ردّا على تلك المفارقة بين الأرقام الإيجابية من ناحية والواقع الاجتماعي والتنموي السلبي، وكانت أيضا استجابة موضوعية لنظام سياسي استوفى شروط تطوّره وأصبح غير قابل للتطوّر بعد ان تآكل نهائيا.

طموحات الشعب التونسي بعد الثورة كانت بناء دولة ديمقراطية لذلك تمت المطالبة بدستور جديد وببناء مجتمع ديمقراطي وهو نتاج طبيعي للممارسة الديمقراطية وللتعددية وكانت أيضا العدالة الاجتماعية والرفاه وبالتالي تشغيل العاطلين عن العمل وتطوير أدوات الإنتاج وآلياته وتطوير نوعية اليد العاملة وتحقيق التنمية وبالتالي كرامة الانسان.

كان الجميع يعتقد بانّ الثورة ستأتي بالحل السحري لواقع تونس الذي كانت تغيب عنه الحريات قبل سنة 2011، لذلك شهدت المشهد السياسي حالة من الانتشاء التنظيمي وكان أيسر أمر يرتكبه انسان في هذه البلاد هو تكوين حزب أو جمعية، وكانت المظاهرات في كلّ مكان فعمّ الحراك.

ذلك التنوّع والمناخ الحر بدا يفرز مظاهر جديدة، تمّ قبولها في البداية ولكن سرعان ما تبيّن أنها قوى غايتها تدمير ذلك المناخ من الحرية وإعادة الشعب التونسي الى مراحل قروسطية.

السلفيون أو الجهاديون أو الإسلاميون الراديكاليون أو ''شباب الصحوة الإسلامية''  كلّ كما كان يسميهم ولكنهم في النهاية هم فرع من فروع تنظيم القاعدة ‏في تلك الفترة الذي أصبح بعد 2011 ينشط تحت مسمّى أنصار الشريعة.

كانوا يمنعون عروض السينما وكانوا يتدخّلون في العروض المسرحية وفي الانتاجات الفنية والثقافية، كانوا يتدخّلون في الشواطئ لمنع الاختلاط وبدأوا بالتأسيس لبوليس ديني تحت مسميات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فانتشروا في الشوارع والمدن وبدأ الدعم المالي واللوجيستي يأتيهم من العديد من الدول فانطلقوا في حملات دعائية تحت عنوان مساعدة الناس خاصة في بعض المناطق الوعرة في الشمال والوسط الغربي.

السلطة السياسية آنذاك المحكومة بحركة النهضة في إطار حكومة الترويكا مع حزب التكتّل الذي يرأسه مصطفى بن جعفر الذي أعطيت له مهمّة رئيس المجلس التأسيسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يرأسه المنصف المرزوقي الذي أسندت له رئاسة الجمهورية.

لم يكتف المدّ السلفي المدعوم رسميا بحملات الدعاية والتحريض، بل وصلوا الى مرحلة تصفية الخصوم، وبدأت الاعتداءات بالعنف على المثقفين والفنانين والصحفيين، ثمّ انتقلوا الى مرحلة الاغتيالات اذ صوبوا رصاصهم نحو الزعيم اليساري شكري بلعيد في فيفري 2013 ثم في جويلية من نفس السنة نحو الزعيم القومي التقدّمي محمّد البراهمي.

كان في الدولة بقايا مؤسسات بعدما تمّ تدميرها بشكل منهجي حتّى أنّ راشد الغنوشي أسماها بالدولة العميقة لأنّ الدولة السطحية كانت دون مؤسسات اذ كانت مبنية على مجموعات الولاء وعلى الميليشيات التي تمّ تسليحها يوم 9 أفريل  2012 أو تلك الميليشيات التي كانت تمنع التونسيين من التعبير وتعترضهم لتعتدي عليهم.

كانت الدولة العميقة هي ما تبقّى من المؤسسات التي تشكّلت على مدى عقود في حين كان يجري العمل على تدميرها والاعداد لدولة جديدة لا أسس لها ولا هوية تحملها.

لقد انتصر التونسيون للدولة العميقة أي دولة المؤسسات وليس دولة بن علي أو بورقيبة إنها مؤسسات الشعب التونسي التي استطاعت أن تحافظ على سير حياة الناس يوم 15 جانفي عندما غابت كلّ مظاهر الدولة.

لم تكن حكومة الترويكا قادرة على تغيير الواقع الاجتماعي والسياسي التونسي في اتجاه دولة اسلاموية كما تقول الأيديولوجيا الاخوانية التي تنظّر لأمثولة دولة الخلافة.

لقد استطاعت قوى المجتمع التونسي الحيّة من مجتمع مدني وسياسي ومن حركات نسوية وشبابية إضافة الى الاتحاد العام التونسي للشغل والصحفيين من الكشف عن حقيقة المشروع الاخواني في تونس بداية من امارة سجنان وصولا الى التمرّد على الدولة.

لقد كان لاغتيال الزعيم الوطني الشهيد شكري بلعيد اثرا كبيرا في تغيير تاريخ تونس المعاصر حتّى اننا أصبحنا نتحدّث عن مرحلة ماقبل الاغتيال ومرحلة ما بعد الاغتيال.

سقطت سلطة الترويكا تحت ضغط الشارع، اذ تمّ اسقاطها سلميا بعدما أسقط الشعب المصري الإخواني محمّد مرسي الذي كان أن يدفع بالبلاد الى الحرب الأهلية.

كما انطلق المشروع الإخواني المدعوم أمريكيا في التوسّع أو فرض الأمر الواقع بالقوة، اذ سعوا الى السيطرة على ليبيا بعدما أسقط حلف الناتو الزعيم معمّر القذافي، ثم اتجهوا الى سوريا مدعومين من إسرائيل وأمريكا وفرنسا لإسقاط الدولة السورية وتدميرها تحت عنوان اسقاط الطاغية بشار الأسد. الاّ أنهم فشلوا حيثما ولّوا وجوههم بعدما تشكلت تنظيمات مدنية وشعبية لصدّهم وللدفاع عن الانسان ضدّ الموت والقتل والدم...

لقد قاوم بشار الأسد نيابة عن الإنسانية واستطاع هزيمة المشروعين الاخواني والوهابي، وتغيّر منذ ذلك التاريخ وجه الأرض.

لقد تغيّرت موازين القوى وتبدّلت بعد معركة القصير في سوريا سنة 2013 والتي دامت 18 يوما وانتهت بفوز الدولة السورية على قوى الإرهاب والردّة والدم.

لقد غيّرت معركة القصير تاريخ الإنسانية اذ بعدها مباشرة تمكّن الشعب المصري من اسقاط النظام الإخواني في جوان 2013 كما بدأت موازين القوى في ليبيا تتغيّر واستطاعت الجزائر الصمود في وجه محاولات ارباكها.

لقد تغيّرت موازين القوى السياسية وبالتالي الأمنية، واستطاعت المجتمعات العربية أن تدافع عن ثورتها الحقيقية بعيدا عن تجاذبات الهوية وفرض الهويات الوهمية.

بعد اسقاط حكومة الترويكا في تونس، تمّ الاختيار من قبل الفاعلين السياسيين على المهدي جمعة الذي قاد كرئيس حكومة فترة انتقالية واستطاع تأمين انتخابات سنة 2014.

انقسم المجتمع التونسي في تلك الفترة الى قسمين، قسم مع الديمقراطية ومع مجتمع ديمقراطي ودولة ديمقراطية وقسم آخر يتحدّث عن الشرعية أي شرعية الحكم ويطرح دولة دينية تحكمها القواعد الدينية.

انتصر الباجي قائد السبسي وحزب نداء تونس الذي رفع شعار مواجهة مشروع أخونة المجتمع.

كان يمكن أن تكون مشاغل التونسيين بعد سنة 2011 متعلّقة أكثر بقضايا مصيرية مثل الاقتصاد والديمقراطية والثورة الثقافية لولا ارتهان من تمكن من الوصول الى السلطة في تلك الفترة مصير الشعب التونسي بقضايا هامشية مثل قضايا الهوية وشعار ''الإسلام في خطر'' والعمل على أخونة الدولة والمجتمع من خلال جلب ما يسمّى بالدعاة وعودة الحديث عن أراضي الحبس وأملاك جامع الزيتونة الذي تمّ تعيين شخص نكرة لإمامته...

كان يمكن أن تكون مشاغل التونسيين أعمق واهم لو تمّ منذ البداية معالجة الإشكاليات التنموية والسياسية والاقتصادية القائمة لولا خطأ حركة النهضة في تقدير حصولها على السلطة.

بعد انتخابات 2014، وبعد فوز قائد السبسي وحزبه، كان التونسيون ينتظرون البداية الحقيقية للثورة والتغيير، ولكنه اتجه للتحالف مع حركة النهضة، وهو ما أدّى مرحليا الى تدمير حزبه شيئا فشيئا بعد اختراقه سياسيا وماليا، وأصبح سنة 2019 قائد السبسي عاجزا عن اتخاذ أي قرار وبدأ يستعدّ للخروج في حين تمكّن ابنه السياسي يوسف الشاهد من البقاء في رئاسة الحكومة وتأسيس حزب جديد أصبحت له قوّة أكبر من نداء تونس نفسه.

إنّ المشهد السياسي التونسي لم يهدأ ولم يتمكّن الفاعلون السياسيون من طرح الأسئلة الحقيقية رغم علمهم بمكمن الداء. أمامهم قضايا الاقتصاد والسياسة والأمن، يمكنهم الإجابة عن سؤال كيف وليس سؤال لماذا ومتى؟ بعيدا عن قضايا الهوية وقضايا التقسيم الاجتماعي.

إنّ عدم ملامسة وطرح الأسئلة الجوهرية يعني أنه لا يمكن إيجاد حلول قادرة على تغيير الواقع التونسي الذي أصبح أسوأ مما كانت عليه البلاد قبل الثورة، وغنّ مناخ الحرية الذي يعيشه التونسيون اذا غابت عنه الأدوات والممارسات الديمقراطية لن يؤدّي الاّ الى سيطرة الفوضى وغلبة التفاهة والانحدار القيمي وهو ما يؤدّي الى بروز شخصيات تافهة قد تتمكّن من حكم البلاد.

إنّ غياب الديمقراطية في تونس قد يهدّد الحرية.

إنّ الديمقراطية لا يمكن لها أن تستقيم خارج اطار الدولة كما لا يمكن للدولة أن تحكم مجتمعا ديمقراطيا اذا كان الفقر والتهميش والتمييز أسلوبا في إدارة حكمها.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter