alexametrics
آراء

سويعات قبل الصمت

مدّة القراءة : 3 دقيقة
سويعات قبل الصمت

 

سويعات قليلة تفصل المترشحين وتفصلنا عن الصمت والتحليل، وتفصل الأنصار عن السبّ والثلب. هي أيام عشناها بتوتّراتها وصخبها، تجد فيها كلّ شيء سوى نزر قليل من الصرامة والجدية ومن الحديث عن مشاريع مستقبلية تطمئن الناخب. وأعترف انّها كانت أياما مفعمة بالنقاش، وشدّت الناخبين إلى ما يجول في أفكار المرشّحين الذين نعرفهم جيّدا، ولم ينزلوا في الحقيقة من السماء، ولكن فاجأونا بتحاليل تنمّ على التركيبة الذهنية التي تبني شخصية كلّ واحد منهم.

غير أنّ الملاحظ لا يملك وهو في آخر الشوط الأوّل أن يعبّر عن جملة من التخوّفات وهي هواجس فرضها واقعنا وتجربتنا مع حكم إخواني دام تسع سنوات:

ü     فعندما أستحضر أنّنا كنّا ضحية " التوافق" أتشاءم من حاضري. لأنّ هذا الاختيار كبّل الأفكار والأنظار، وليس غريبا أن يطفو من جديد بعيد الانتخابات. وبقينا على هذا المسار رغم اختلاف الأحوال منذ وفاة السبسي، فإذا به اختيار مفصليّ قيّدنا ولا محيص من التحرّر منه: اعتبرنا " المناظرة" قرارا جريئا ونقطة إيجابية في هذه الانتخابات.. لأنّها تعين الناخب الحائر على الخروج من دائرة الحيرة والضياع. فإذا بقناتنا الموقرة غنيمة من غنائم التوافق، سواء في التصوّر للحصّة أو فيمن سيحاور المرشّحين أو ، خصوصا ، في طبيعة الأسئلة الواجب إلقاؤها عليهم. وإذا بالمبادرة قد مسخت وخرجت منها الروح.. وإذا بالتوافق في هذه الحصّة ليس سوى حسابات سياسية قوامها المحاصصة، أو كما يقول المثل التونسي " لا تاذيني ولا ناذيك" .. وإذا بنا نغرق في يمّ من الضحالة والركاكة .. وإذا ببوتلّيس يخنق أفكارنا خنقا، وإذا بنا نتخبّط بحثا عن متنفّس نجده في " العبرة بالمشاركة".. وتنظر حواليك باحثا عن بقايا أسئلة تعيدك إلى واقعك، لتهديك إلى طريق النظر والتقييم، فإذا به الفراغ الميت القاتم.. وإذا بجميع المرشّحين يشبه بعضهم بعضا، وإذا بهم مومياء تتحرّك ولا تملك نظرا أو شزرا. وعلى كلّ تلك كانت صورة الانتخابات الرئاسية كما ارتضاها لنا الخوانجية وتبنّتها قناتنا العمومية التي نموّلها نحن من دمائنا.

ü     وعندما أستحضر الأسئلة المختارة، والتي قيل لنا والله أعلم أنّها سحبت بالقرعة، أصاب بالغثيان وأتساءل عن واضعي هذه الأسئلة: هل يعيشون مثلنا مشاكلنا اليومية؟ هل يقتطع من مرتباتهم نسب اجحفت مثل غيرهم من المواطنين جيوبهم ؟ هل خرج هؤلاء إلى السوق ليشاهدوا أناسا من شعبي يطوفون حول الخضر والغلال في حيرة ثمّ يختارون الرجوع إلى بيوتهم بقليل من الفتات؟ هل شاهدوا شيوخا وعجائز أمام مكاتب البريد في انتظار " صوارد" ولكن، للأسف البريد في إضراب منذ أيام؟؟ هل سمعوا بأحداث مثل حادثة الكراضن ؟ أو حادثة الفلاحات وقد رُمين أشلاء في الطريق؟؟ وعفوا ليست هذه الملاحظات من صنف الشعبوي، وإنّما هي نتاج سياسة التوافق التي أفرزت الضحالة والتردّد في الحكم وغياب الخبرة ، سياسة كانت نتيجتها تلاشي تونس، لا غير.. هل كان هؤلاء الذين وضعوا الأسئلة على علم بما عاشه التعليم "العالي" في هذه الصائفة من ارتجال في القرار وتسيّب في الامتحانات، وانعكست نتائجها مباشرة على قيمة الشهادة العلمية؟ هذا قليل من كثير، ولو فتحت سياسة الحكومة مع الفساد فذاك باب من أبواب جهنّم لن ينغلق سوى بعد أن يأكل عظامنا أكلا.. لأنّنا صرنا شعبا يتنفّس فسادا ويشرب فسادا ويأكل فسادا.. والبلاد في جميع ما ذكرت تسير بقداير الله..

ü     لكن عندما أصنّف المرشّحين بحسب انتماءاتهم الإيديولوجية أتفاءل: لأنّ هذا التصنيف يحكي عن حقيقة وضع الأحزاب، وهل هي مستعدّة لهذا الاستحقاق الانتخابي؟ فمن جملة 26 مرشّحا نجد فيهم من ينتمي إلى العائلة الإسلامية الموسعة: 9 من المترشّحين ؛ ومن يلبس قبعة رئاسة حزب لا غير: وهم 4 من المترشحين. ونجد من اشتغل في حكم الإخوان، وقد تلذّذ الإخوان بتسميتها "بحكم الترويكا" ( مناصب وزارية أو نيابية): 10. واللافت أن من بينهم من جمع بين رئاسة حزبه وتقلّد منصبا وزاريا في هذه الفترة من حكم الإخوان: وهم 8. يبدو هذا التصنيف للوهلة الأولى مشتّتا، ولكنّه في الواقع لا يتجاوز حدود التوافق الذي التزموا به وفرضوه علينا. وهو يضبط بدقّة عدد الأحزاب التي انخرطت في هذه السياسة، وكان من المفروض أن تحاسب وتقيَّم أعمالها طيلة التسع سنوات.. لكن، بهت الذي كفر!!! وكيف نجرؤ على نقد ومحاسبة أولياء نعمتنا؟؟؟؟

قلت أتفاءل، والسبب بسيط ، إذا ما استحضرت الخزّان الانتخابي الذي هزل منذ 2014.. وهذا دليل على أنّ المسافة متّسعة بين الشعب وهذه الأحزاب بما فيها أحزاب الإخوان بجميع ألوانها، الحمائم منها والصقور. ولا أدلّ على ذلك من الانتخابات البلدية 2018. وعندما نجد 9 مترشّحين من العائلة الإسلامية ثلاثة منهم حظوظهم أقلّ من البقية حتى بالنسبة إلى الإخوان أنفسهم ندرك أنّ هذا الخزّان لن يكون وبأيّ حال من الأحوال أن يكفل لهم المنافسة مع البقية، وفي هذا السياق لا نحتاج إلى سبر آراء أو غيره ؛ فالخارطة الانتخابية شاهدة لوحدها على ذلك. وهذا ما يفسّر هلع الإخوان هذه الأيام ومناداتهم بشدّ الهمم للالتفاف حول مرشّح واحد، وهذا ما يفسّر أيضا تدخّل زعيمهم عبر الإذاعات مناشدا أتباعه بوجوب توحيد الصفوف، الأمر الذي ذهب ببعضهم إلى مناشدة قياديّ الحركة بالدخول في مشاورات مع هؤلاء المرشّحين والبحث عن ترضيات معهم.. جميع ما ذكرت يدفعني إلى التفاؤل في غد أكثر توازنا وثقة في هذا المجتمع..

لكن ومع ذلك، أبقى على حذر عندما أجد رؤوس الحيتان الكبيرة قد أينعت مع بعض المرشّحين، وخصوصا أنّها حيتان كان لها باع ولم تحاسب فيما وصلنا إليه من تدهور الأحوال: إذ ، كيف لي أن أقبل؟؟ وقد اجتمع الملاك والشيطان على مرشّح واحد فهل هذا مطمئن؟

أرفض الوقوع في فخ السبسي الذي أوقعني فيه سنة 2014.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter