alexametrics
آراء

انكشاف سر الإرهابي رفيق شكري بلعيد

مدّة القراءة : 4 دقيقة
انكشاف سر الإرهابي رفيق شكري بلعيد

 

سنة 2007 التقيت المحامي المناضل شكري بلعيد، أمام مقهى العايش بشارع باب بنات قبالة قصر العدالة، كان متوتّرا على غير عادته، سألته عن حاله فحدّثني عن قضيّة إرهابية يدافع فيها عن أحد المتهمين، سألته مرّة أخرى عن المبرّر الذي يجعل محاميا تقدّميا يساريا يدافع عن إرهابي، لا شكّ أنّه متورّط في الدم، خاصة وأنني أعرف أنّه لا يقبل الحصول على لقاء مادي لنيابته في مثل هذه القضايا.

 

كان الطقس ربيعيا، وكانت الإجراءات الأمنية في محيط محكمة تونس كالعادة مشدّدة، دخلنا القاعة عدد 6 الشهيرة، وهي قاعة شاسعة تقع في الطابق الأرضي وينفتح منها باب صغير على غرف الإيقاف وتضمّ أربعة شبابيك ضخمة تُفتح على حديقة داخلية تحتلّها بعض الأرانب.

كان المحامون يصطفّون الواحد حذو الآخر في حين كانت القاعة من الجهة الخلفية ملأى بحشود من الناس، امتزج فيهم أهالي المتهمين بأمنيين.

بعد بعض الصمت علت صرخة، تعلن دخول القاضي ومستشاريه، كانوا خمسة، رئيسهم عظيم البنية، يعرفه المحامون ويتعمّدون مواجهة في كلّ الوضعيات والحالات.

نادى على المتهمين بالأسماء، حضر جميعهم في حين كان البعض الآخر متحصّنا بالفرار، منهم من غادر الى العراق التي كانت تحت الاحتلال الأمريكي، كانت الأفكار والمواقف ضبابية، فالناس في تلك الفترة كانوا يؤيّدون كلّ من يواجه الأمريكان المحتلين، دون التمييز بين المقاومة الوطنية وبين المجموعات التي كانت بصدد التشكّل ضمن السياقات الدينية المتطرّفة والتي كانت تمارس الإرهاب ضدّ المواطنين وتنهج التصفيات على أساس عرقي ومذهبي.

 

فعلا كانت الصورة غير واضحة، ولكن كنّا نتابع محاكمات بعض المتورّطين في قضايا إرهابية، كانوا يكفّرون الجميع، من المحكمة الى الدولة والمجتمع وحتّى المحامين الذين يدافعون عنهم، اذ لا اعتراف بمحاكم القوانين الوضعية ولا يعترفون بغير أحكام الشريعة وقضاة الدين الذين لا معنى لحق الدفاع في تصوّرهم، فمن يعتقدون أنّه ليس مثلهم يفتون بقتله ويستبيحون دمه.

المتهمون كانوا يقفون أمام القاضي، بينهم شاب أسمر يبدو عليه البؤس كان يتهكّم كلّما سأله القاضي، قال إنّه كان يرعى بعض الابل لفائدة شخص ثري، تمّ إيقافه في الصحراء للاشتباه في علاقته بإرهابيين سافروا الى العراق وآخرون ينشطون في الصحاري، هو شاب جامعي، كان يصرّ على أن يقول ما لا ينسبه اليه القاضي، ولكنّه لا يتركه يواصل كلماته.

تدخّل محاميه، شكري بلعيد، وقال للقاضي سيّدي الرئيس إنّ هذا الشاب المتهم بالإرهاب الذي يمثل أمامكم ليس إسلاميا بل هو في تناقض تام مع الإسلاميين.

اندهش الحاضرون بمن في ذلك المحكمة، وأضاف المحامي شكري بلعيد، إنّه شيوعي سيّدي الرئيس، هو وطني ديمقراطي هو رفيق يا سيّدي الرئيس، يتمّ إيقافه بتعلّة تورّطه في الإرهاب والارتباط بالعصابات الإرهابية الناشطة في العراق وأفغانستان وفي الصحراء.

تخرّج من الجامعة بشهادة في أحد الاختصاصات العلمية، لم يجد عملا رغم البحث المتواصل، فاقترح عليه أحد الأثرياء أن يرعى له قطيعا من الابل مقابل أجرة شهرية، لم يتردّد، بل تحمس للمقترح، وكان يخرج للصحراء محمّلا بالكتب والمجلاّت والصحف لعلها تعيله في ذلك الأفق البعيد المفتوح على المطلق.

لم يكن بإمكانه مقابلة حبيبته أو الاتصال بها فهي مقيمة في العاصمة وتبعد عنه مئات الكيلومترات، لذلك كان يكتب كلّ حكاياته وتفاصيل ومكالماته التي لم تتم في كرّاس احتلّت تفاصيله رمال المكان وآثار العرق.

بعد أشهر من ذلك العمل ''الصوفي'' اقتحمت وحدته فرقة أمنية مختصّة في قضايا الإرهاب، وتمّ جرّه جرّا الى العاصمة حيث يتم تجميع المتهمين في مثل تلك القضايا.

 

ذكر المحامي شكري بلعيد كلّ تلك القصص التي كان يكتبها منوّبه الى حبيبته عندما تلهمه الصحراء تلك الكلمات، كان بلعيد يردّد أمام القاضي بانفعال إنّ شيوعي يا سيّدي الرئيس إنّه يقاوم أولئك الذين يرفعون السلاح في وجه المواطنين ويقاوم بالفكر أولئك الذين يريدون ارجاع الناس الى غياهب النسيان.

بعد أن استمع القاضي الى المرافعة التي تأثر لها الحاضرون بمن في ذلك الأمنيين، فالحملة شملت الإرهابيين والدمويين والمجرمين ولكنها لم تنس في طريقها بعض الأبرياء كما يقول انجلس.

رفعت الجلسة، للمفاوضة والتصريح بالحكم، كان الجميع مقتنعا أنّ القاضي اقتنع بدوره ببراءة ذلك الشيوعي رفيق المحامي شكري بلعيد المتهم بالإرهاب الإسلاموي.

بعد ساعات من الانتظار، وفي حدود التاسعة ليلا، فتحت المحكمة أبوابها من جديد ونادى القاضي على المتهمين وتلا أمامهم الأحكام، وكانت المفاجأة عندما قرّر ادانة ذلك الشاب الأسمر التعيس وسجنه لمدّة ثمانية أعوام.

رغم الغرابة وحيرة المحامي، ولكن زحمة الحياة وكثرة مشاغلها أنستنا مؤقّتا تلك الحكاية.

 

بعد ثلاث سنوات من تلك المحاكمة، وفي شتاء سنة 2011، سقط نظام بن علي وفُتحت السجون وهرب المجرمون والارهابيون، ثم صدر عفو تشريعي عام شمل من بقي منهم بعد أن عجز عن الهرب.

شمل العفو أيضا ذلك الشاب، ولكنه اختفى رغم أنّ محاميه بحث عنه واتصل به في العديد من العناوين التي يعرفها، حاول مرارا لكن دون فائدة.

أوصى بعض أصدقائه بالبحث عنه واعلامه في صورة العثور عليه، ولكن في فيفري 2013 خرجت رصاصات غادرات اصابت جسد شكري بلعيد، كان يطلقها أحد الذين دافع عنهم ذلك المحامي المتحمّس دائما.

استشهد بلعيد، وبقي منوّبه مجهول المصير.

أحد الأصدقاء المشتركين من الذين كانوا يتابعون الحكاية التقيته في صيف 2016، فحدّثني عن صديقنا، بعدما غادر السجن، قال إنّه أصيب بحالة من الإحباط بعد صدور الحكم ضدّه وحاول بعد ذلك وضع حدّ لحياته بعدما أصابه اليأس.

لقد وضعت سياسات السجن أولئك المحكومين في قضايا الإرهاب في غرف واحدة حتّى تكون عملية مراقبتهم يسيرة وسهلة، ولكنهم في المقابل كانوا يؤثرون على العديد من الشبان الذين سجنوا باطلا مثل صديقنا منوّب الشهيد.

قال يبدو أنّه تعرّض الى عملية غسل دماغ كانت نتيجة حالة الإحباط التي عاشها، وبعد خروجه من السجن سارع بالالتحاق بأولئك الذين تعوّدوا الدم والموت.

قال محدّثي إن آخر الأخبار الواردة عن طريق بعض أقاربه تقول إنّه سافر الى سوريا حيث أصبح إرهابيا بالفعل، وقال إنّ أخباره انقطعت منذ فترة الى أن وصل خبر موته مقتولا وسط شوارع احدى المدن السورية حيث بقيت جثّته ملقية وسط جثث أخرى قبل نقلها، ولا يعلم أهله في أي أرض تمّ دفنه.

سألني، أليس الإرهاب أحيانا يُصنع صناعةً؟

نعم، الإرهاب دائما تصنعه ''ماكينات'' مختلفة، هناك من تصنعه أجهزة المخابرات لتصفية خصوم وهناك من تصنعه دول لتدمير دول أخرى وهناك من يُدفع له دفعا ليحدث حالة من الانهاك يتم استغلالها لتحسين شروط إدارة الشأن السياسي والمالي وهناك من يعتقد في أنّ الناس أخذهم الكفر وهو مؤتمن على ارجاعهم الى الله، فهو يرى نفسه مسؤولا عنهم...

كلّ ذلك صحيح، ولكن أيضا هناك من تأخذهم الصدفة الى مجالات مجهولة، لا يُعرف مصيرها، طالب يساري يتخرّج من الجامعة تأكله البطالة لسنوات فيرتمي هربا من الفقر والخراب والدمار والبؤس أمام أول عمل يدرّ له مالا، يبيع قوت جهده، يجد نفسه دون ذنب وسط مسارات الجحيم والموت.

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter