alexametrics
آراء

القرآن والفيزياء، لماذا كلّ هذا الكذب؟

مدّة القراءة : 4 دقيقة
القرآن والفيزياء، لماذا كلّ هذا الكذب؟

 

 

كنت أعتقد أنّ استخدام أستاذ بإحدى الاعداديات بالقيروان للقرآن في فرض فيزياء، حالة من حالات الانفلات المعرفي التي تعرفها كلّ المجتمعات وفي كلّ الأوقات.

غير أنّ الأمر لم يقف عند ذلك الحد، بل برزت بعد ذلك أصوات وتعليقات، تقول إنّ كلّ ما يتوصّل اليه الانسان في العلوم وفي الفيزياء انما ورد القرآن.

نعم، هكذا، كل قوانين الفيزياء وردت في القرآن وما علينا الاّ أن نتأمل فيه لفهم ذلك.

ربما هذا القول يحقّق نوعا من الاشباع لدى البعض ممن لا يخفون غايات سياسية، اذ أنّ القرآن، وهو القاسم المشترك الأساسي بين التونسيين يعتبرونه مادة انتخابية مربحة بالنسبة إليهم، ولكن القول بأنّ كلّ قوانين الفيزياء وردت في القرآن هو قول قد لا يجد مجالا له لدى التفكير العقلاني.

ليس القرآن مجالا للعلوم، كما ليست الفيزياء حقلا للدين، لماذا؟

إنّ القرآن هو كتاب المسلمين المرسل إليهم عبر النبي محمّد، وهو مجال المقدّس بمعنى مجال التعالي عن الزمان والمكان، فهو نصّ غير تاريخي أي نصّ لا يخضع للتغيير، فمجال المقدّس هو مجال الثبات والأزلية لا يقبل التبدّل ولا يطاله الفناء، اذن نحن إزاء نصّ يتضمّن رسالة بُعِثَت عن طريق الرسول محمّد الى العالمين.

أمّا المجال الثاني الذي نحن بصدد تناوله فهو الفيزياء، أي علم الفيزيقا أو الطبيعة والعلم يعني المعرفة المنظّمة، أي المعرفة التي تُخْضِعُ ظاهرة ما الى قوانين وقواعد، فتختزلها في معادلات رياضية صورية.

والفيزياء هي علم خاضع للتطوّر والتغيير اذ تتبدّل القوانين حسب كلّ مرحلة ابستيمولوجية فلكلّ فترة علمية قوانينها التي تطوّر القوانين السابقة وأحيانا تحيلها على العدم.

لقد كانت الفيزياء الاغريقية ترى أنّ الكسموس منقسم الى عالم ما فوق القمر وعالم ما تحت القمر، الأوّل نوراني عاقل ثابت أزلي والثاني مادي خاضع للكون والفناء، حيث كانت الأرض مركز الكون.

مع كوبرنيك، تحوّلت الشمس الى المركز وأصبحت الأرض هي التي تدور حولها وليس العكس.

دافع غاليلي في القرن السابع عشر عن نظرية كوبرنيك ضدّ نظرية أرسطو في الكسموس، إلاّ أنّ رجال الكنيسة اعتبروا أنّ التصوّر الذي يلغي مركزية الأرض يتعارض والنصوص الدينية فتمّت محاكمته، وادانته.

في القرن الثامن عشر برزت نظرية إسحاق نيوتن (1642 – 1727) في الجاذبية وغيّر نظرة العالم الى الحركة والضوء، اذ بيّن أنّ حركة الأجسام على الأرض أو في الأجرام السماوية لها نفس المبادئ في الحركة والجاذبية، واعتبر نيوتن أحد أبرز رموز الثورة العلمية والحداثة.

غير أنّه بمجيئ ألبرت أنشطاين، أصبحت تلك النظريات الفيزيائية، توصف بالفيزياء الكلاسيكية، وأصبحت نظرية النسبية هي السياق الابستيمولوجي لفترة القرن العشرين، وأدت استنتاجات أنشطاين الى تفسير العديد من النظريات التي عجزت عنها الفيزياء الكلاسيكية مثل الحركة والسرعة اذ أصبحت معه سرعة الضوء هي أقصى سرعة وأنّ حركة الجسم إذا بلغت تلك السرعة تتحوّل الى طاقة، بعد أن كانت سرعة الأجسام في الفيزياء الكلاسيكية غير متناهية، وحلّت نظرية النسبية  مشاكل النظرية في مسألة الأمواج الكهرومغناطيسية وأصبحت الجاذبية خاصية هندسية للزمان والمكان أو ما يعرف بالزمكان.

أنشطاين الذي كان يعتقد بعض العلماء أنه قمّة ما يمكن أن تصل اليه الإنسانية في مجال الفيزياء، وأنّه لم يبق بعده الاّ الميتافيزيقا، أي عالم مابعد الطبيعة.

غير أنّ ستيفن هوكينغ  (1942 – 2018 )  كذّب كلّ ذلك وأكّد أنّ العلم متطوّر وأنّ تاريخه هو تاريخ أخطائه مثلما ذهب الى ذلك غاستون باشلار، هوكينغ أعطى تصوّرا جديدا للديناميكا الحرارية وأثبت أنّ الثقوب السوداء في الكون تصدر اشعاعات واعتبر أنّ الكون ليس في حالة دوران بل هو في حالة تمدّد، وقدّم هوكينغ نظرية التسلسل الزمني.

ومازالت الإنسانية تنتظر قدوم علماء ومراحل لتزدهر نظريات فيزيائية وتأفل أخرى وذلك هو تاريخ العلم، فمع كلّ نظرية ينشأ باراديغم جديد يؤسّس للثورات العلمية.

اذن هل يمكننا أن نتخيّل أنّ القرآن الكريم يحتوي هذه التطوّرات والتغييرات في مستوى النظريات الفيزيائية، بهذا المعنى، وحسب أصحاب هذا الرأي فإنّه إذا وجدنا أثرا لنظرية نيوتن في الجاذبية مثلا في القرآن، كيف يمكن الردّ على ذلك مع نظرية النسبية أو مع نظرية الثقوب السوداء.

هنا نطرح الاشكال هل يجب أن يُقال إنّ القرآن تحدّث عن كلّ العلوم والنظريات؟ بمعنى هل يجب أن نمزج بين المقدّس والمتغيّر؟ وإن كان ذلك غير ممكن لماذا الإصرار على هذا الخلط وما الغاية اذن؟

أكلّما خرجت نظرية في الفيزياء سيقال إنّ القرآن كان على علم بذلك؟ اليس هذا هو عمق الاعتداء على القرآن وعلى الدين؟

هذا التصوّر الذي يدّعي بأنّ القرآن تحدّث عن كلّ العلوم وكلّ النظريات، لا يشعر أصحابه أنهم بذلك إنما يسقطون في نظرية المعرفة المسبقة التي تمّ تجاوزها منذ أفلاطون.

اذ أنّ الانسان بالنسبة إليهم يأتي الى العالم مزوّدا بالمعرفة، وأنّ العلم انما هو حالة تذكّر، فالمعرفة تذكّر والجهل نسيان.

كما تمّ تجاوز نظرية أنّ الانسان يولد صفحة بيضاء والتجربة تخطّ عليه معارفها.

يرى نعوم تشومسكي أن للإنسان استعدادات طبيعية تمكّنه دون غيره من الكائنات بأن يراكم المعرفة من خلال التجربة.

وعليه فانّ القول بأنّ القرآن يتضمّن مسبقا تلك المعارف والنظريات، وأنّه على العلماء التأمل لاستخراجها وتذكّرها هي نظرية قديمة تسقطهم في التصوّر الهيلينستي.

وهو تقريبا نفس ما ذهب اليه ابن سينا عندما اعتبر أنّ الآية الرابعة في سورة يوسف «إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ»

استعمل فيها ضمير جمع المذكر للكواكب والشمس والقمر وأُجرِيَت الكواكب مجرى العقلاء، اذ يفترض أن توصف الكواكب والشمس والقمر بـ «ساجدة»، وباعتبار أنّ القرآن مرجع في اللغة، فإنّ ايرادها مذكرا عاقلا له غاياته وما يبرّره.

بالنسبة الى ابن سيناء فانّ ذلك قد يعني أنّ الفضاء المعرفي تاريخيا كانت تهيمن عليه نظرية الكوسموس الاغريقية التي تقسّم العالم الى عالم ما فوق القمر من كواكب وشمس ومجرّات وتعتبرها عالم العقل والثبات والأزلية وبين عالم ما تحت القمر وهو عالم متغيّر وفانٍ وغير عاقل، لذلك تمت مخاطبة الكواكب والشمس والقمر على أنها عاقلة.

هل يستطيع أصحاب القول بأنّ القرآن تضمّن كلّ النظريات الفيزيائية أن يفسّروا لنا الانتقال الابستيمولوجي والتاريخي من نظرية الكسموس الاغريقي الى نظرية التمدّد الكوني والثقوب السوداء لهوكينغ.

إنّ إصرار هؤلاء على المزج غير الممكن بين المقدّس المتعالي والفيزيائي التاريخي المتغيّر، يعكس غاية مغالبة الآخرين والسيطرة عليهم باستعمال القرآن والدين عموما، وهي غايات سياسية. انهم يصرّون على الخطأ وايهام الناس بجواز مالا يجوز منطقا وعقلا، ليس دفاعا عن الحق في فهم القرآن بل دفاعا عن مصالحهم السياسية والحزبية الضيقة.

إنّ مجال القرآن العبادات والسير ومجال الفيزياء الطبيعة، فكلّما زاد العلماء تقدّما وانجازا لفائدة الإنسانية وكلّما بانت آثارهم على السيطرة على الطبيعة وعلى الاختراع والاكتشاف والتقدّم والسيطرة على التكنولوجيات وعلى المعلومة وخلق عوالم السيبرنيطيقا، كلما زاد عندنا في هذه الربوع الرافضة للعقل من يقول لنا إنّ ''الغرب الكافر'' لم يفعل غير استخراج ماجاء به القرآن، في الوقت الذي ظلّوا فيه عقودا وقرونا يقرأون القرآن ويتقاتلون على تأويله دون أن يتمكنوا من استخراج ولو جزء ضئيل مما تنتجه الإنسانية، إنهم عاجزون عن ذلك ليس لهم من قدرة الاّ الحديث عن تعدّد الزوجات وعن طرق النكاح الحلال والحرام وعن قتل من يخالفهم الرأي باستعمال ما أنتجه ذلك الغرب الذي يكرهونه عجزا ورغبة في البقاء حيث الموت ثم يسمون أنفسهم بالعلماء.

إنّ القرآن في القلب يفقهه الناس ويستقرّون به يتفاخر بقدسيته أمّا الفيزياء فهي في العقل مستعدّة للتغيّر وللتغيير في كلّ حقبة، ومتفاخرة بالخطأ والقصور.

 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter