alexametrics
آراء

"ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ " الذاريات، آ14

مدّة القراءة : 4 دقيقة

 

 

قدر تونس أن تكون سبّاقة في كلّ شيء، وها نحن نعيش معضلة القرن..و تتساءلون اليوم عن الحال المتردّية التي بلغتها فئة من مجتمعنا.. وإن تساءلتم فلأنّكم بدأتم تشعرون بخطر ظاهرة كانت في الأمس محلّ فخر، وعلامة رجوع إلى الطريق المستقيم في إرضاء الله وإعلاء كلمته، بل هناك من اعتبر أنّه أرجع للإسلام مكانته الحقيقية. لكن أستسمحكم أن أعود بكم قليلا إلى الوراء، حتى نضع المشكلة في إطارها العام الأصلي، وأكتفي بالإشارة، والفاهم يفهم:

  • أذكّركم بذات يوم من أيّام شهر جانفي عندما رجّتنا صدمة الوعي ونحن نشاهد ونسمع جمعا لا بأس به من التونسيين يهلّلون " بطلوع البدر" عليهم، وغاب عنهم أنّ المقارنة بين البدرين لا تستقيم. فأين هو بدر الإخوان من بدرة الهجرة المحمّدية؟ وأنزّه نفسي عن " تكفيرهم".
  • أذكّركم بحالنا، منذ هلّت علينا تباشير الثورة المباركة ونحن نتقلّب يمنة ويسرة على أرض حقّ عليها القول إنّها تمور. فإذا بنا كأنّ الريح تحتنا في كلّ مبادرة للتحديث، وإذا بصكوك التوبة توزّع يمنة ويسرة، تصنّفنا إلى كافر ومؤمن، وإذا بالمخزون الذي علاه الندى ينشر نشرا كأنّ فيه خلاصنا ورضى من الربّ.. ولسنا وحدنا نحن التونسيين، وإنّما هي حال تعيشها كافّة المجتمعات الإسلامية، بعد أن انتشر في جسدها حمّى التقوى، والدعوة إلى الصراط المستقيم، ولا استثناء فيما نقول، بل وحتى المجتمعات التي تدّعي أنّها سلمت من مرض الإخوان هي غارقة أيضا في نفس الخندق، وكلّما تقدّمت بنا الأيام تأخّر بنا الركب، وقريبا .. قريبا سيفصلنا عن الحداثة برزخ..
  • أذكّركم بسياسة الدولة الحائرة وقد ولّدت حالة سكيزوفرينية. فصرنا نعيش اليوم ”فتحا جديدا“ يسهم في ضبابية الإيمان وحيرة المسلم العادي. سيما وأنّ الأرضية هشّة: عامل الجهل والفقر والبطالة والتهميش. فكان أن توفّر للإسلام الحركي هذا الفضاء ويسّر له استقطاب الناس. وفتح دورا للدعوة والتدريب، والغريب أنّ الدولة تنظر ولا تحرّك ساكنا ( مزبهلّة يعني).
  • بل هل أقدر على تذكيركم باللحظات التي هتكت فيها أعراضنا، وفتحت خدورنا لدعاتهم. وعندما صدعت مساجدنا بأمرها لتحثّ على الجهاد؟... وعندما انتشرت نزعة استبدال علمنا الأحمر والأبيض بالأسود الداعشي .. نعم عشنا إعلان تكوين داعش في أرضنا منذ 2012، ورفع علمها أنصار حزب التحرير.. حزب يصول ويجول في ترابنا مثل النحرير.. والحكومة تتلذّذ بما تشاهد..هل نسيتم الالاف الذين فتحت لهم أبواب السجون ولم يقع تتبعهم؟..ألم تكن الجمعيات ذات المرجعية الدينية ،والتي تعيش تحت حماية أحزاب حاكمة، تنثر المال في المناطق المهمّشة نثرا وتبث دعوة الجهاد؟... و لعلّ ما زاد المشهد رونقا هو ما كان يتحفنا به السيد الغنوشي بين الحين والآخر من أنشودة حنين وعطف على تيار سلفي تكفيري يذكّره بشبابه الضائع الذي تلاشت فيه أحلامه.. ولعلّ آخر أنشودة تتناغم مع تصريحات وزرائنا هي دعوته إلى الاستتابة .. هل فكّر التونسيون في أنّ هذا العدد وإن كان كثيرا هو قليل في نظر من كرّس ماله وجهده لتحطيم الدول العربية حتى يقيم صرح الخلافة السادسة؟.. وأنّ مثل هؤلاء الذين تابوا صاروا يرتعون أحرارا وقد نجوا من المحاسبة؟؟؟ و لنكن على يقين: ما لم يحاسبوا فلن تصلح الأمور.. وماداموا معانقين أصحاب التوافق فالعدد آيل إلى الزيادة.. هل لي أن أنبّهكم بأنّ تونس صارت مفرخة للتكفيريين؟
  • هل حاسبنا من سعى إلى طمس الشخصية التونسية ورام أن يلوّنها بطابع غريب عنها؟ هل حاسبنا من كان وراء استقدام دعاة همّهم الوحيد تنجيس الفكر التونسي الطيّب؟ أين هم أبناؤنا الذين أرسلوا زرافات ووحدانا إلى ليبيا و سوريا ؟ أين هي صورة بلادنا التي تلاشت في المحافل الدولية ؟ وصار رئيس الدولة آنذاك يندّد في الخارج بالعلمانيين ويعدهم بالمشانق. هل يحاسب هؤلاء أم هم عصافر جنّة؟ من يقدر على إيقاف من يزرع نار الفتن العشائرية في بلدنا وقد تجاوزناها منذ ما يزيد عن قرن؟ مرّة أخرى أقولها: المحاسبة مرحلة حاسمة في حياة تونس، ومادمنا نسعى إلى تأجيلها فإنّ المتطفّلين لن يضيّعوا فرصة في زرع الفتن. المحاسبة أساسية حتى نتجاوز هذا الوضع لأنّ كلّ طرف سيتحمّل مسؤولية عمله ويلتزم بالحدود التي يفرضها عليه المجتمع. فويني المحاسبة حتى يشمّر التونسي على ساعد العمل؟ وأين هي البرامج الاقتصادية والاجتماعية حتى تكون لكم جرأة  السؤال.
  • أذكّركم بالحملة التي شنّوها ضدّي في ربيع 2016، حملة أسهمت فيها بعض وسائل الإعلام، من متحرّج إلى متبرّئ وحتى الساعي إلى إيقاعي في فخّ كما حدث في إذاعة IFM ..لا لشئ سوى أنّي نبّهت إلى خطورة تحفيظ الأطفال القرآن دون ضوابط علميّة وبيداغوجية، ودعوت إلى حماية الفضاءات المدرسيّة وعدم إقحامها في ما لم تجعل له وحفظ طابعها الحداثي والعلمي وتحصينها من التوظيف السياسي والمذهبي. وكان موقفي من منطلق الغيرة على نظامنا التربوي العصري الموحَّد والموحِّد للهويّة الوطنيّة، ومن منطلق تذكير وزير التربية المسؤول على حماية مكتسبات الدولة الحداثية. لكن ، للأسف تغلّبت الانتهازية السياسية على الوطنية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، بل تجلب لك المتاعب.
  • أذكّركم بفلتات وزير الشؤون الدينيّة آنذاك، و بخطّته الرائدة لمقاومة الدعوشة والحلّ عنده كان بتحفيظ القرآن لمائة ألف شابّ وتحويل الفضاءات المدرسيّة في كامل البلاد إلى كتاتيب. فكان له الفضل في أن مهّد الطريق لكتاتيب على الشاكلة الأفغانية، وها نحن اليوم نجني ثمرة فلتة من فلتات الدهر.

 قامت الدنيا في تلك الأيام ولم تقعد، وواجهت من التهديدات فنونا ، لأنّي قاومت مسلّمة مغلوطة تعتبر حفظ القرآن عن ظهر قلب يحصّن من التطرّف ، ولم يعلم من قاومني أنّ أوّل فرقة متطرّفة ظهرت في الإسلام هي فرقة الخوارج ، قاموا رافعين شعار التكفير، واستباحة دماء المسلمين.. فرقة تشكّلت من القرّاء الذين تعطّل فهمهم كلّما قاربوا معاني القرآن، وتوقّفت مهمّتهم عند حدود التلفّظ ومخارج الحروف. ولا عجب فمصيري لن يكون مع هؤلاء بأفضل من مصير الإمام علي عندما قال لهم " الكتاب بين دفّتين لا ينطق وإنّما تنطق به الرجال" وقتل الإمام عليّ بسيف أحدهم وهو واقف بين يدي الله في صلاة الفجر.

وأتحدّى كلّ مشكّك في أنّ الظواهري أو أسامة بن لادن أو شيوخ طالبان أو أبو عياض أو الحبيب اللوز أو الصادق شورو وغيرهم من الدعاة لا يحفظون القرآن .

من ساندني في تلك الفترة؟ أليس المجتمع المدني؟ المجتمع المدني فحسب.. هل تكلّمت الأحزاب؟ بل، أخفت رأسها مثل النعامة. هل تحرّكت الدولة للمحاسبة؟ بل قنعت بدور المتفرّج في مشهد مصارعة تنتظر الغالب.. وفعلا كانت الغلبة لنا، ومنعنا احتلال فضاءات التعليم العمومي من طرف أشخاص نحن على يقين بتوجّهاتهم وغاياتهم، وأنقذنا أبناءا كادوا أن يكونوا فريستهم مدّة العطلة الصيفية، حيث لا رقيب ولا عين ترصد.. نجح المجتمع المدني في تعطيل " الاستقطاب" واستباحة أرض الدولة الحديثة، ويبقى النظر في نسبة هذا النجاح.

   مرّة أخرى أنبّه إلى أنّ حفظ القرآن الكريم يظلّ في المطلق مستحبّا رغم أنّ التطوّر التكنولوجي لم يعد يُحْوِج إليه إذ يمكنك أن تستحضر ما تريد منه في ثوان على جهاز الكمبيوتر، وتحتفظ ببقية الوقت لفهمه وبيان مقاصده. وها نحن نجني خطر تحفيظ القرآن للأطفال والشّباب دون اعتماد منهجيّة علميّة وتوخّي طريقة بيداغوجيّة ملائمة وتكوين مخصوص لمن يقوم بعمليّة التحفيظ واختيار النّصوص القرآنيّة المحفّظة بما يتماشى مع المتطلّبات التربويّة ومنظومة القيم الإنسانيّة والمستوى العلمي للمتلقّين، يكون كمن يضع سلاحا خطيرا بين يدي طفل يلهو...

واليوم ، بعد أن "وقع الفاس في الراس"، كيف ستتعامل حكومة الشاهد مع هذه الظاهرة، " ظاهرة اسلمة المجتمع" التي بدأ الحفر فيها منذ 2011؟ عليها أن تواجه السمّ بالترياق، فإقالة وال أو معتمد ليست سوى سياسة " ترقيع". وفي هذه المسألة أتساءل إن كانت للشاهد الجرأة بل القدرة على محاسبة الوزارات التي لها علاقة مباشرة بالفقاقيع التي نشأت في حاضنتنا الاجتماعية، ولن يكون ذلك سوى بالإقالة والتتبّع قضائيّا ، إنّها فقاقيع سامّة، وسمّها يسري سريعا في دمائنا.

 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter