alexametrics
آراء

ما يراد اخفاؤه عمدا في معركة التعليم الثانوي

مدّة القراءة : 6 دقيقة
ما يراد اخفاؤه عمدا في معركة التعليم الثانوي

 

 دخلت أزمة التعليم مرحلة قد تكون دون رجعة، أمام الصراع «الهستيري» بين وزارة التربية وجامعة التعليم الثانوي.

نحن أمام ثلاثة عناصر في مجال الفهم والتفسير، العنصر الأوّل متعلّق بالبديهيات والعنصر الثاني عنوانه المواقف الانفعالية وردود الأفعال الآنية غير المفكّر فيها، أمّا العنصر الأخير فهو ما يُراد اخفاؤه عمدا.

بالنسبة الى البديهيات، فإنّ وزير التربية هو عضو في حكومة يوسف الشاهد، وهو مسؤول قانونيا وسياسيا وأخلاقيا عن المؤسسة التربوية بموجب صفته، فهو مُلزَمٌ باعتباره عضوا في السلطة التنفيذية بتنفيذ الفصل 39 من الدستور الذي ينصّ «على أنّ الدولة تضمن الحق في التعليم العمومي المجاني بكامل مراحله، وتسعى الى توفير الإمكانيات الضرورية لتحقيق جودة التربية والتعليم والتكوين...»

في هذا الباب يمكننا القول إنّ الدولة لم تنجز الضروري لتحقيق جودة التعليم، بل مازالت العديد من المؤسسات التربوية غير لائقة ولا تتوفّر أحيانا على الأدنى الإنساني، بل إنّ الدولة نفسها مارست التمييز الجهوي والاجتماعي بين المدارس. لا شكّ أنّ مدرسة في مدينة فقيرة تختلف عن مدرسة أخرى في حيّ يسكنه الأغنياء والمسؤولين.

أمّا سياسيا فالدولة مسؤولة عن وجوب إيجاد حلّ للأزمة القائمة مع جامعة التعليم الثانوي، وهي المسؤولة عن طريقتها في إدارة تلك الأزمة، اذ تتحمل وِزْرَ تشرّد التلاميذ في الشوارع، واعدادهم للضياع فالتطرّف، وهي مرحلة أساسية من مراحل اغتيال العقل وانشاء انسان خارج التاريخ يمكن توجيهه والتحكّم فيه بيسر، انسان مفعم بالاستعداد لقبول العبودية الارادية. نعم توجد عبودية ارادية عبر التاريخ.

أخلاقيا، فإنّ الحكومة دون غيرها هي المؤتمنة على إدارة الدولة وبالتالي إدارة المؤسسة التربوية وضمان الحق في التعليم ومنع شروط تحقّق الأزمة بتوفير كلّ الشروط الموضوعية ليواصل التلاميذ تعليمهم، اذ مكانهم الطبيعي هي معاهدهم ومدارسهم وليس الشوارع.

 

أمّا البديهي بالنسبة الى جامعة التعليم الثانوي، فهو أن تكون الحركة النضالية متلائمة مع حجم المطلب، فمطالب مهمّة مثل سنّ التقاعد والمنح الخصوصية ووضع المؤسسات التربوية فضلا عن بقية المطالب المالية، لا يُنكرها أحد عنهم، ولكن ذلك لا يُعقل أن يقابله امتناع عن اجراء الامتحانات للتلاميذ، يعني أنّ المواجهة مع الحكومة توجّه فيها السهام الى الأطفال، وهذا هو الواقع بقطع النظر عن الشعارات الانفعالية غير المجدية.

 التلاميذ متضرّرون بشكل مباشر من قرار عدم اجراء الامتحانات، وهو ما نتج عنه حالة من الضياع لديهم أنتجت خاصيات احتجاجية لدى البعض منهم، تلك الخاصيات كانت تفتقد للتأطير النقابي والفكري، فأدّت الى سيطرة المواقف الأكثر راديكالية وهو التوقف عن الدراسة وخوض تجربة الاضراب المفتوح عن العلم والتعلّم وزرع بذرة الاستعداد للاغتيال الذاتي للعقل.

 

لقد تحوّل الجهد الحماسي والاندفاع العلمي لدى تلاميذ الاعداديات والثانوي الى انكسار نفسي، فهم فئة تخوض عمرا عسيرا وهو سن المراهقة ميزته النشاط والرغبة في الانطلاق، فاذا بهم أمام هزائم متتالية لا دخل لهم فيها.

لقد قال أحد أقرب المقرّبين للنقابة والنقابيين وهو عز الدين البوغانمي «ليس هنالك أهم من المستقبل عند أي أمة على وجه الأرض. ومستقبل تونس اليوم أراه موحشا وحزينا بسبب ضياع تلاميذ المعاهد في الشوارع.»

 

أمّا السياسي والأخلاقي، أمام جامعة التعليم الثانوي، هو تحمّل مسؤولية أولئك الأطفال والشباب وتعليمهم تحت أي ظرف، إذا تخلّت الدولة عمدا عنهم.

إنّ التدريس ليس وظيفة فقط بل هو رسالة مثل الطب تماما، ألم يؤمن سقراط بدور القابلة وكان يولّد الأفكار توليدا، ألم يسافر الطبيب أرنستو تشي غيفارا آلاف الأميال من أجل علاج الناس مجانا.

طبعا ليس المطلوب منهم التدريس المجاني ولكن أحيانا يجب، من منطلق الواجب الأخلاقي، أن يكافحوا من أجل تسليح الأجيال بالعلم والمعرفة وبالحق في الحياة والحق في البقاء والحق في تقرير المصير وفي منازلة لصوص الأوطان وقتلة العقول.

 

أمّا العنصر الثاني وهو المتعلّق بالمواقف الانفعالية وردود الأفعال الآنية وهي تميّز الطرفين، فالوزير بدا في جلّ تصريحاته ولقاءاته الإعلامية منفعلا غاضبا متشنّجا غير قادر على تقديم تصوّرات لحلّ الأزمة لا يملك غير خطاب وحيد وهو تحميل المسؤولية للطرف النقابي، والأغرب أن يصرّح بأنّ سلفه وهو زميله، كان يستعمل موظّفين بالوزارة لإدارة صفحات على الفايسبوك من أجل الشتيمة والسباب، كردّ فعل على انتقاد ناجي جلّول وزير التربية السابق لآدائه، في حين كان عليه اللجوء الى القضاء أو الهيئات الرقابية التي تعجّ بها البلاد يمينا وشمالا.

وزير التربية أيضا كان متشنّجا في ردوده على جامعة التعليم الثانوي، اذ من المتعارف عليه في كلّ دول العالم أن النقابات تحتجّ وتمارس الضغط والاضراب والاعتصام... والحكومة تفاوض وتدير الأزمة وتقدّم الحلول لتفادي الأسوأ، ولكنها المرّة الأولى في التاريخ المعلوم، التي يعجز فيها وزير عن إيجاد حلّ مع نقابة، متصلّبة لا شكّ في ذلك، فيهدّد بالقضاء، أي بسجن مفاوضيه الذين تقدّموا بمطالب نقابية.

 

أمّا في مساحات جامعة التعليم الثانوي، فأنا ممن عايشوا هذه النقابة منذ عقود من عبيد البريكي الى الشاذلي قاري ثم فرج الشباح والطيب بوعائشة وسامي الطاهري وصولا الى لسعد اليعقوبي، وكنت على علم بفترة أحمد الكحلاوي في فترة السبعينات من خلال الحديث اليه والى رفاقه وملازمته فترة طويلة.

ورغم الاهتزازات الكبيرة التي مرّت بها العلاقة بين النقابة والسلطة، لم يبلغ أن عاقب الأساتذة التلاميذ الاّ في هذه الفترة، ولم يسبق أن رفض النقابيون مخالفيهم في الرأي مثلما هي عليه الآن، بل يبلغ الأمر على شبكات التواصل الى حدّ ردود هستيرية ضدّ من يحاول انتقاد معاقبة التلاميذ في معركة النقابة مع الوزارة، بل وصل الأمر الى حدّ شتم الأولياء ووصمهم والمساس منهم، في سلوك غير مفهوم.

أمّا العديد من الأولياء، سواء المنتصرين للوزير والمنتقدين للنقابة أو الواقفين متفرّجين، فإنّ جلّ ردودهم غير معقلنة وتتسم بالانفعالية والرفض غير المبرّر لهذا الموقف أو ذاك، فعلاقتهم بالمشكل هي علاقة مباشرة دون مسافة للنظر وتحديد موقف خاصة أمام الفجوة القائمة بينهم وبين المؤسسة التربوية.

 

النقطة الثالثة وهي المسكوت عنه، أو ما يُراد اخفاؤه في معركة الوزارة مع النقابة، فهو يفرض الرجوع الى بعض المعطيات، اذ تفيد الاحصائيات الرسمية أنّ عدد أساتذة التعليم الثانوي يفوق 98 ألف أستاذ منهم 14 ألفا في مادة التربية البدنية، أكثر من 90 بالمائة منهم منخرطون في الجامعة العامة للتعليم الثانوي، وهو ما يعني أكثر من 88 ألف أستاذ منخرطون في هذه النقابة، وهنا سرّ قوتها على صعيدين، الداخلي أي داخل الاتحاد العام التونسي للشغل والخارجي في علاقة بالسلطة.

نقابة الثانوي تاريخيا لم تهدأ عن مواجهة السلطة، منذ أحمد الكحلاوي مرورا بعبيد البريكي والشاذلي قاري وفرج الشباح والطيب بوعائشة وسامي الطاهري، اذ يعتبر العديد من المتابعين والمؤرّخين أن اضراب التعليم الثانوي سنة 1974 هو الاضراب الذي هزّ علاقة الاتحاد العام التونسي للشغل بنظام بورقيبة وهو الذي أسّس لمرحلة التصدّع وهيّأ لمواجهة 26 جانفي 1978.

في فترة الثمانينات كان محمّد مزالي لا يهدأ بسبب التعليم الثانوي الذي يعجّ بالمتخرّجين من جامعة تعتبر قاطرة العمل السياسي والايديولوجي وخاصة فضاء لتشكّل ونموّ التيارات السياسية وخاصة اليسارية، في فترة التسعينات قيل إنّ نقابة التعليم الثانوي وجودها الأساسي كان لمواجهة محمّد الشرفي. ثم الى نهاية حكم بن علي حيث كان سامي الطاهري الكاتب العام لنقابة التعليم الثانوي هو من حرّض على الخروج من ساحة محمّد علي واكتساح شارع الحبيب بورقيبة يوم الرابع عشر من جانفي 2011.

لكن اليوم، ومع صعود نور الدين الطبوبي للأمانة العامة للاتحاد، لم يرض أغلب أعضاء المكتب التنفيذي عن آداء نقابة التعليم الثانوي التي سبق أن هدّدت بالاستقالة الجماعية وأعلنت، لإحراج الطبوبي، عن عدم التزامها بما أَعْلَنَ عنه في الحمامات خلال أزمة السنة الماضية، بل واتهم اليعقوبي ايحاءً الأمين العام بأنّ وزير التربية اتصل به لطلب التفاوض دون حضور اليعقوبي وهو ما اضطرّ الطبوبي الى تكذيبه علنا في وسائل الاعلام، بل أكثر من ذلك فإنّ وزير التربية عند تصريحه المتشنّج يوم 28 جانفي 2019 بعد فشل المفاوضات مع النقابة سرّب جملة كان يعي دلالتها هو وخصومه، وهي أنّ هذه النقابة متمرّدة على الجميع، وهو يقصد بدقّة المكتب التنفيذي لاتحاد الشغل.

قد ينفي النقابيون وقيادة الاتحاد هذا الكلام، ولكنّ تلك هي الحقيقة.

 لقد أصبحوا يدركون جيّدا أن جامعة التعليم الثانوي التي تضمّ 88 ألف منخرط قادرة عل اذا اتفقت مع نقابة التعليم الأساسي الجاهزة للاتفاق بأن تحدث ارتباكا هيكليا خطيرا ومزلزلا ليس في الاتحاد فقط بل في موازين القوى السياسية في البلاد كاملة وفي المشهد السياسي برمّته.

إنّ هذا التصدّع الذي يراد اخفاؤه، إنما يصيب خصائص التشكيل النقابي للاتحاد العام التونسي للشغل الذي يمثّل تاريخيا الثقل الأساسي في ميزان القوى السياسي عند مواجهة السلطة ان سطت والرجعية إذا امتدّت.

ما يراد اخفاؤه أيضا من ناحية الوزير هو شبه تأكّد عدم توافقه مع يوسف الشاهد، فبن سالم محسوب على الباجي قائد السبسي الذي أرجعه بمركز الدراسات ثم اقترحه وزيرا للتربية بعد الاتفاق الحكومي مع الاتحاد بإنهاء ناجي جلول يوم عيد العمال.

لذلك من مصلحته دفع الصراع الى أقصاه وأقساه، لإعادة تشكيل موازين القوى من جديد.

ما يُراد اخفاؤه أيضا هو شبه تأكّد رغبة الوزير بالمغادرة وعدم تحمّسه كثيرا للبقاء في وزارة التربية التي تعتبر أكثر الوزارات ارهاقا باعتبارها موضوع مواجهة لا تهدأ مع أكبر نقابتين في تونس، التعليم الأساسي والتعليم الثانوي.

الى أين يتجه الوزير؟ تفيد بعض المعطيات أنّ المدّة النيابية للطيب البكوش في اتحاد المغرب العربي تنتهي في ماي المقبل، وأنّ بن سالم يرغب في أن يحلّ محلّ زميله السابق، أوّل وزير تربية بعد الثورة. حاتم بن سالم يعوّل كثيرا على دعم الباجي قائد السبسي الذي يعتبر تقليديا الجهة التي ترشّح من سيحتلّ الموقع من تونس فضلا عن أنه يعتبر نفسه أهلا للموقع المريح والوفير خاصة وأنّه تحمّل سابقا مسؤولية بوزارة الخارجية زمن بن علي.

النقطة الخامسة في ما يراد اخفاؤه أيضا، أنّ المعركة الحالية هي بشكل من الأشكال لا تخلو من تجسيد المواجهة القائمة من أجل السلطة بعد 2019 بين الشاهد والسبسي وبعض القوى سواء المنتصرة لهذا أو لذاك أو التي تعمل على دفع الصراع الى أقصاه عملا بمقولة ''كيم ايل سونغ'' بأنّ حالة التعفّن تؤدّي الى بروز مضادات حيوية لتلك الحالة. هذا فضلا عن أنّ العديد من المهام صلب الاتحاد ستصبح شاغرة محتاجة لمن ينهي عنها الفراغ، فهو كالطبيعة تماما يأبى الفراغ.

 

 

 

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter