alexametrics
آراء

قائد لا يستشرف المستقبل ليس أهلا بأن يكون قائدا

مدّة القراءة : 4 دقيقة
قائد لا يستشرف المستقبل ليس أهلا بأن يكون قائدا

 

حالة من الذهول استفاق عليها البعض، صباح اليوم الإثنين، بعد الصدمة التي انتابتهم البارحة، على إثر الإعلان عن النتائج غير الرسمية للإنتخابات الرئاسية السابقة لأوانها.

 

سُويعات بعد الهزيمة، ما زال البعض في فريق حملة رئيس الحكومة، يوسف الشاهد يتحدّثون بشيء من التعالي ويلعبون دور البطل ويبحثون عن كبش فداء ويدّعون أن الشعب غبي وأن انقسام الصف التقدمي الحداثي هو سبب الهزيمة كما يرجعون فشلهم إلى لجوء منافسيهم للغش وتنكّر بعض وسائل الإعلام لهم وإلى الإعلام الفاسد وغيرها من الإتهامات والمغالطات.

 

وفي انتظار النتائج الرسمية الأولية التي سيتم الإعلان عنها غدا من قبل الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات، حلّ الشاهد خامسا في نتائج سبر الآراء لأكثر مؤسستين مختصتين مصداقية في البلاد وهما سيغما كونساي (شريك بيزنس نيوز للتفرة 2014/2019) ومديرها حسن الزرقوني ومؤسسة إيمرود كونسلتينغ ومديرها نبيل بالعم. فهل سيتم تأكيد هذا الترتيب غدا من قبل الهيئة الإنتخابية ؟ كل الإحتمالات ممكنة فيوسف الشاهد قد يتدحرج للمرتبة السادسة وحتى السابعة خلف الصافي سعيد ولطفي المرايحي.. فالهزيمة والإذلال والشعور بالمهانة تخلّف الكثير من الآلام والأوجاع. 

 

الأسباب الكامنة وراء هذه الهزيمة عديدة ومتعددة، بعضها تم التطرق إليه في مقالنا التحليلي الذي نشرناه أمس على أعمدة صحيفتنا مباشرة بعد نشر النتائج الأولية لسبر آراء الناخبين عند الخروج من مكاتب الإقتراع. فأسباب هزيمة يوسف الشاهد تكمن حيثما توجد عوامل نجاح نبيل القروي .. لذلك لا داعي من العودة إليها ولا فائدة تُرجى من تقليب المواجع. لكن لا بد من التنبيه إلى ما سيحصل في قادم الأيّام، لاسيما وأن الفريق العامل مع رئيس الحكومة يبدو غير مقتنع (إلى غاية الآن على الأقل) بالأسباب الحقيقية للهزيمة وغير مستعد لاستخلاص العبر والدروس من هذه الهزيمة النكراء.

 

منذ أشهر نبّهت "بيزنس نيوز"، الشق الحداثي ورئيس الحكومة إلى المستقبل .. وأوضحت في عديد المناسبات أن الإستراتيجية المتبعة من قبل يوسف الشاهد كانت خاطئة وستودي به إلى ما لا يحمد عقباه .. نداءاتنا ورسالاتنا تلقاها شق يوسف الشاهد بكثير من الازدراء والاحتقار والضغوط والشتائم .. غير أنّهم لم يوجّهوا لنا يوما أية تهديدات أو استفزازات وهذا يُحسب على الازدراء أكثر مما هو احترام لحرية التعبير، لأنهم لا يؤمنون لذلك وأدرك جيدا ما أقول. وهذا مربط الفرس ومكمن مساوئ يوسف الشاهد ألا وهو ازدراء واحتقار الآخرين ..

 

كان في برجه العاجي، ينظر للناس من فوق بكثير من التعالي .. لم يكن يصغي إلا لمادحيه الذين يقولولن له "سيدي رئيس الحكومة أنتم على حق" لكنه لم يكن يستمع لأصدقائه الذين يريدون نُصحه، حتى أنه أصبح في الأشهر الأخيرة لا يستمع لهم البتّة. لنتجاوز ولنكن إيجابيين .. سنفترض أن الجميع مخطئون ويوسف الشاهد على حق وأنه كان محقّا في عدم التحالف مع عبد الكريم الزبيدي (حقق نتائج أفضل منه) ومهدي جمعة (أكثر منه كفاءة) ومحسن مرزوق (يفوقه على المستوى الإتصالي) أو حتى سعيد العايدي (أكثر رصانة وحكمة منه) .. فلنفترض أنه لم يكن مخطئا في البحث عن بلورة قانون على المقاس لقطع الطريق أمام خصومه السياسيين الجديين (نبيل القروي وعبير موسي) ولنفترض كذلك أنه كان على حق حين قام بتحييد نبيل القروي والتخلص منه .. فحتى لو افترضنا أنه كان محقّا في كل ذلك وكان علينا منحه ثقة عمياء، ماذا هو شعارهم ؟ انتظروا قليلا فيوسف على حق والغاية تبرّر الوسيلة.  

 

البارحة ومع نشر النتائج الأولية غير الرسمية كان أيضا يوسف الشاهد على حق حين اختار هذه الخطة وعدم الإصغاء لأصدقائه الذين يريدون له النصح والنصيحة .. لكن هزيمة الأمس تكفي لنقول له: "لقد كشفت خطّتك محدوديتها ولم تكن هي المثلى للنجاح".. بالإعتماد على مبدإ "الغاية تبرر الوسيلة"، فإن الوسائل المستعملة من قبل يوسف الشاهد لم تكن المناسبة لتحقيق الفوز.. وفي هذا الصدد نختتم بالقول "يوسف الشاهد لا يستمع إلى النصائح المسداة إليه .. يوسف الشاهد لا يعرف كيف يقرأ خارطة طريق .. يوسف الشاهد لا يحذق استشراف الأحداث البعيدة. في السياسة يجب عدم تعقيد الأمور .. حين لا تحقق حتى 10 بالمائة، في حين أن منصبك لوحده يمنحك منذ البداية نسبة 5 بالمائة من الأصوات، فذلك دليل على أنّك فاشل وغير كفء. نعم تبدو هذه العبارات قاسية ولكنها في حجم سقطتك المدوّية وكذلك قلّة تبصّرك طوال الأشهر الماضية.

من هم المستشارون الرئيسيون ليوسف الشاهد حتى يمنعوه من رؤية الأمور على حقيقتها ؟ القائمة طويلة (وهذا مؤشر سلبي) .. يمكننا ذكر إياد الدهماني ومهدي بن غربية ومفدي المسدّي وفيصل الحفيان وكريم البقلوطي بركة الله  وهشام بن أحمد ورياض المؤخر والمتواجد على الدوام لزهر العكرمي.. كل هؤلاء مسؤولون عن فشل أمس الأحد (إلى جانب شخصين أو ثلاثة لن أعلن عن أسمائهم)، غير أن المسؤول الأبرز عن تلك الخسارة الكبرى فهو سليم العزّابي الذي عليه أن يتحمّل مسؤولية فشل الشاهد، باعتباره مدير حملته والمؤسس والأمين العام لحزبه ورفيق دربه.    

 

فإخفاقات سليم العزابي تفوق نجاحاته للأسف .. صحيح أنه يبدو لطيفا، مثقّفا وصاحب إرادة ونيّة سليمة، لكن يجب التذكير بأنه كان قريبا من القطب أيام فشله في 2011 ومن أحمد نجيب الشابي زمن الأزمة الداخلية الحادة التي هزت أركان الحزب الجمهوري في 2013، غداة اغتيال الشهيد محمد البراهمي. بعد الفوز الباهر للراحل الباجي قايد السبسي في 2014، والذي لعب فيه سليم العزابي دورا إيجابيا، كان مقرّبا وقريبا من الرئيس الراحل حين انحداره في نتائج سبر الآراء، بسبب الخلافات التي جدّت بين الأسرة الرئاسية ورئيس الحكومة.. لا يمكننا القول إنه السبب في كل الإخفاقات ولكن لا يمكننا التغافل عن كونه كان دائما موجودا حين الأزمات الكبرى صلب عائلته السياسية.

 

كل هؤلاء كانوا سببا في عزل يوسف الشاهد عن محيطه الخارجي وتنصيبه في برجه العاجي وجعله غير مواكب للواقع.. هم الذين أبعدوه عن أصحاب النصيحة وساهموا في تضخيم الأنا الأعلى لديه .. وها هو يوسف الشاهد يتكبّد الهزيمة وحده غير أنه لا يمكن إنكار مسؤولية المحيطين به في ذلك.

 

لا شك في أن الهزيمة جزء لا يتجزأ من الحياة السياسية  إلا أن الشعوب تتعامل بطرق مختلفة مع الهزائم .. ففي الثقاقة العربية يواصل الحاكم الفاشل في حكمه، أحبّ من أحبّ وكره من كره، حتى يحين أجله بالموت أو عزله بطريقة مهينة ومخزية. في الثقافة اللاتينية ينسحب الحاكم الفاشل لمدة سنتين أو ثلاثة أعوام ثم يحاول العودة من جديد. أما في الثقافة الأمريكية فلا يمكن لحاكم فاشل أن يعود أبدا فهو في عداد الموتى سياسيا. يوسف الشاهد ينهل من هذه الثقافات الثلاث غير أن جيناته عربية على ما يبدو وهذا مؤسف حقا. 

 

إن وصفة النجاح السياسي (على المنظور القريب أو البعيد) سهلة وتكمن في عبارة واحدة: "ثقة الشعب". فهو لكي يمنحك ثقته، عليه أن يؤمن بك وبصدقك وببرنامجك.. لكن يوسف الشاهد لم يكن صريحا مع شعبه والدليل على ذلك (والأدلة عديدة) مسألة الجنسية الفرنسية التي أخفاها عنا. فمسألة الصدق والنزاهة أمر في غاية الأهمية غير أن البعض لا يوليه ما يستحق من أهمية .. فالسياسي الحقيقي الصادق يوصل هذا الصدق إلى شعبه وجمهوره آجلا أم عاجلا ويكسب قضيته طالما أن برنامجه مقنع وناجع.. كان بإمكاننا أن نغفر له هذا الفشل "الطبيعي" وتمكينه من فرصة ثانية، لكن يوسف الشاهد ليس فقط مسؤولا عن الفشل فهو مسؤول أيضا عن عدم استشرافه للمستقبل وللفشل القادم من بعيد وتضخّم الأنا لديه وكونه لم يكن صريحا وصدّه لكل النصائح التي أسديت إليه.  عديد الحكام يفشلون ولهم الحق في فرصة أخرى لأنهم استشرفوا ما هو قادم.

هفوة يوسف الشاهد هو أنه لم يتوقّع مستقبله وهذا خطأ جسيم .. فحاكم لا يرى ما هو آت ليس أهلا لأخذ فرصة ثانية .. عليه أن يترك مكانه لغيره ويحاول أن يعود بعد خمس أو عشر سنوات.

 

  (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية