alexametrics
آراء

ماذا ننتظر من الباجي؟

مدّة القراءة : 3 دقيقة
ماذا ننتظر من الباجي؟
أعتقد أنّ الإجابة عن هذا السؤال هي رهينة الإجابة عن سؤال آخر: ماذا يريد الباجي من النهضة؟ أن ‏تضحّي بجهازها العسكري؟ أو أن تخذل الشاهد؟
فإن كانت المسألة مقتصرة على خذلان الشاهد والرجوع إلى مظلّة " التوافق" فيا خيبة المسعى، وستكون ‏ضربة أخرى في ضمير المجتمع التونسي الذي هلّل بتغيّر الأحوال، وهي أيضا ضربة أخرى فيما تبقّى حيّا ‏من جسد حزبه النداء. ولا أعتقد أنّ هذه الفرضية شغل الباجي، فالرجل حنّكته الأيام، وعلّمته من أساليب ‏المراوغة السياسية أفنانا، خاصّة إذا استحضرنا أنّها فرضية تجاوزها الرجل، بعد أن قطع مرحلة الخيبة ‏والاقتناع بأن النهضة لا تعترف بالتوافق بقدر ما هي معترفة بالمناورة والحلول التي تدرّ عليها بالنفع ‏القريب والبعيد.‏
 
إذن لم يبق سوى الاحتمال الثاني: وهو أن يقدّم الجهاز العسكري قربانا وكفّارة عمّا اقترفته في حقّ الباجي. ‏لكن المسألة ليست بالبساطة التي نتوهّم. وأوضّح:‏
 
‏1.‏ سرى في حديث السياسيين والإعلاميين خلط بين جهاز النهضة العسكري وجهازها السرّي، وفي ‏الحقيقة هما اسمان لجهاز واحد؛ نشآ مع ميلاد فكرة هذا الجهاز عند الإخوان بمصر منذ الأربعينات، ورغم ‏سعي البلاط بمصر إلى حلّه فقد ظلّ باقيا تكتّم عليه الإخوان حتى يظهر كلّما اقتضت المواجهة مع ‏المخالف. وعندما نتحدّث عن جناح عسكري فإنّنا نعني الجهاز السرّي. واحتفظ الإخوان بهذه المقاربة على ‏اختلافهم في الزمان والمكان. وإن تحدّثنا عن السرّية فلأنّ التكتّم في هذا الجهاز هو أصل نواته، وقد أكّد ‏كثير من الإخوان بمصر على أنّ من ينتمي إلى هذا الجهاز لا يتعامل سوى مع رئيسه المباشر ويجهل من ‏معه. حتى أنّه حدث في عمليّة من العمليات أن اكتشف أخ أنّ أخاه هو مثله في الجهاز السرّي لحظة ‏العملية. ‏
 
نفس النهج في اتباع مسلك العمل السري والدعوة المستترة كان متّبعا عند فرق في القديم منذ القرن الثاني ‏للهجرة، لأنّه يسمح لهم بنشر مبادئهم إلى الأطراف بعيدًا عن قبضة الدولة، واتخذ هذا الجهاز عبر الزمن ‏أشكالا متعدّدة، وحسبما تقتضيه الظروف والمواجهات، واتسعت مجالاته، لكن دون التراجع في عقيدتهم ‏الأصلية وهي التكتّم الذي يحفظ بقاء حركتهم. ولعلّ أوسع مجال بلغوه في الأربعينات. يقول عبد العظيم ‏رمضان في كتابه الإخوان المسلمون والتنظيم السرّي: " في أواخر 47 كان للإخوان أسلحة وجيش ومصانع ‏وشركات ومدارس ومستشفيات. فكانوا شبه دولة داخل دولة. وكانوا على وشك الاستيلاء على السلطة لولا ‏القرار بحلّ الجماعة في 48 وسجن قيادييهم ومصادرة أموالهم." ص 77. وتفيدنا هذه الشهادة أنّ العمل ‏على السلاح متداخل مع إنشاء المدارس والمستشفيات والمصانع.. ولذلك اعتبر تنظيمهم شبيها بالدولة التي ‏لها مؤسسّات. وظلّ هذا البناء يتطوّر مع انتشار الإخوان حتى في أيّام محنهم، ولذلك بقي هذا التنظيم. ‏والمسألة عندئذ: صحيح أنّ أبناء النهضة بتونس لم يملكوا المستشفيات مثل أبناء النهضة بمصر، لأنّهم ‏ببساطة اشتغلوا في طمأنينة، فقد كانوا هم الدولة طيلة هذه السنوات الأخيرة، ولا يفوتنا التنبيه إلى أنّهم ‏الفريق الإخوانيّ الوحيد الذي بلغ كرسيّ الحكم . فكيف سيضحّى أبناء النهضة بالرئة التي يتنفّسون بها؟ ‏هل سيمكّنون الدولة من مصانع مناصريهم ، خاصّة أنّهم المموّل الأساسي لحركتهم ؟ وهل من السهل أن ‏يضحّوا بمدارس هي في الظاهر تابعة لجمعيات قرآنية ولكنّها متولّدة من رحم النهضويين؟ كيف لها أن ‏تقدّم من تعتبرهم عسكريين يذودون عنها الأذى قربانا؟ أسأل هذه الأسئلة لأنّني أعلم أنّ الجهاز السري/ ‏العسكري معقّد في بنيته ويأخذ أشكالا متعدّدة ، وأنّه جهاز حاضر في جميع دواليب الدولة، زئبقيّ، ويعسر ‏تطويقه.‏
 
‏2 . إن كانت الحمامة شعار السلام والسلم والمحبّة فإنّنا عندما نتحدّث عن جهاز عسكري/ قل سرّي نوظّف ‏معجم العنف والدم.. ونوظّف معجم الكواسر، وتلك لعمري تناقضات جامعة ومجتمعة في هذا التنظيم. وإن ‏سمّي تنظيما فللدلالة على الالتزام، والطاعة والانضباط ،‎ ‎وللدلالة أيضا على ذوبان الفرد المنتمي في ‏المجموعة، ولا بأس في أن يضحّى بالفرد في سبيل بقاء المجموعة. نقول هذا الكلام ونحن نستعرض أبسط ‏ما ذكر عن هذا الجناح على لسان المنصف بن سالم عندما ذكر أنّهم اخترقوا أجهزة الأمن والجيش، وأنّ ‏من الحرّاس الشخصيين لبن علي من هو منتمي إلى هذا الجهاز، وإن كنّا نشكّ فيما يروي. وإن كان صادقا ‏فيما روى فإنّنا نشير على الباجي أن يتحرّى في من حوله من المقرّبين...‏‎ ‎‏ سؤال آخر يحضرنا: هل من ‏السهل أيضا أن يتخلّى الجماعة عن تقنييهم ؟ تقنيون تدرّبوا على كتابة التقارير ورسم الخرائط والحصول ‏على المعلومات بمختلف الوسائل المتاحة، وتكوينا في الإسعافات الأوّليّة، والتنصّت وتقفّي الشخصيّات. ‏نقول هذا الكلام استنادا إلى وثائق تقدّمت بها لجنة الدفاع عن الشهيدين.‏
 
‏3 . ننبّه إلى أنّ الجناح العسكري أقوى من التنظيم نفسه، وعلى هذا الأساس يجب أن نصدّق ‏بعضا من قياديي النهضة عندما ينكرون وجود هذا الجناح، لأنّهم وببساطة مقصيون من أسرار حارس ‏المعبد. ويمكن أن نستنتج أنّ هذا الجناح هو الفكر الحافظ لعقيدة الجماعة واستمرارها، ولذلك، نلاحظ أنّ ‏من لم يولد من رحم التنظيم لن يكون سلكا ناظما عضويّا فيها، مهما ارتقى في المرتبة ومهما كان متفانيا ‏في خدمتها. ولنا في تاريخ الإخوان مثال الهضيبي، فقد كان مرشد الإخوان في سنة 51 وانتخب من خارج ‏النواة الصلبة لهم اجتنابا لمواجهة محتملة بين الجناح المعتدل والجناح المتطرّف، فيقول: لمّا جيت في ‏الإخوان المسلمين سنة 51 تبيّن لي شي اسمه " النظام الخاص"، فأنا سألت: إيه الغرض من هذا النظام؟ ‏وإيه مرماه؟ وإيه تعملو بيه خصوصا بعدما ثبت أنّو ارتكب جرائم؟.. وكلّ هذه الجرائم التي ارتكبت طبعا ‏انحراف وخروج عن الغرض الأصلي من هذا النظام وهو إعداد الفرد المسلم إعدادا صالحا للدفاع عن ‏الوطن الإسلامي". والنتيجة، عندما أراد الهضيبي الاطّلاع على أسماء الأعضاء عجز، والسبب ما ذكره ‏في تهكّم " يمكن يفتكرو أنّهم مجاهدين أكثر شوية وأنا رجل كبير".‏
سؤالنا: المسألة ليست بسيطة، ونستبعد أن يتقدّم أعضاء الحركة بكبش فداء لأجل الدفاع عن ‏بقائهم، خاصّة بعد أن تمكّنوا من أجهزة الدولة طيلة ثماني سنوات ، وبصفة أخصّ بعد أن مكّنهم الباجي ‏قايد السبسي من الانغماس في مؤسّسات الدولة طيلة أربع سنوات. ولذا قد نقول: ما كلّ ما يشتهي المرء ‏يدركه. والأيام القادمة تنبئ بمحن عصيبة علينا نحن بالأساس ، وعلينا مواجهتها بما أوتينا من عزيمة ‏وصبر.‏
 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter