alexametrics
آراء

ناري عليك يا تونس: فأيّ أرض تُقلّني..وأيُّ سماء تظلُّني؟؟؟

مدّة القراءة : 4 دقيقة
ناري عليك يا تونس: فأيّ أرض تُقلّني..وأيُّ سماء تظلُّني؟؟؟

 

الحكومات المتعاقبة منذ 2011 هي في الحقيقة "صبّابة ماء على اليدين"، فالمدبّر الرسمي هي الأحزاب التي صاغت صورة كلّ حكومة بعد ان طرّزت لها من الخطابات الدعوية أفنانا وألوانا.. ونظرا إلى أنّ هذه الأحزاب المالكة لخيوط الدمى متعطّشة ، ولا تزال في حقيقة الأمر، إلى الحكم فإنّها ظلّت تمارس هواية تبديل المشهد الحكومة عسى أن ترضي جميع الأطماع ويجلس على كرسي الحكم كلّ من تاقت نفسه إليه.. وتلك هي لعبة الحكم.. لذلك تجد حضور هذه الحكومات المتعاقبة مثل غيابها، تمرّ أمامها المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وكأنّها مشاكل الجيران..

واليوم، لم يتغيّر شيء في الحقيقة، ماعدا أمور جدّت ما كان لنا بها عهد في الحكومات السابقة: فهذه الحكومة تتّصف بالاستقواء، وحذار فالاستقواء ليس عملا بطوليا في جميع الأحوال، بل قد يكون تعبيرا عن توق إلى تطبيق طرق جديدة على هذا الشعب الذي تحوّل إلى شخصية متخاذلة ، انطفأت فيه شعلة " الثورة"، وصار جسما ليّنا يتقبّل الضربات دون أنين.. وحذار أيضا فاستقواء هذه الحكومة لا يعود إلى ما تشتمل عليه من كفاءات، فهي حكومة توافقات سياسية، وتوازنات بين أحزاب تحالفت فيما بينها تحرّكها يد واحدة وفكر واحد، هو فكر التدافع الوفيّ لمقالة " الإسلام الحضاري".. لذلك فإنّ الجديد في هذه الحكومة يكمن في أنّها تخرج علينا ورأسها مستعار من "الحداثة" بينما بقية أعضائها فهي مركّبة من اتجاهات لا يجمع بينها سوى الاختلاف، وكلّ هذا تحت راية " التوافق" ( رضي الله عنه وأرضاه)..

فأنت أيها القارئ ، إذا تأمّلت في هذه الحكومة تجد فيها سمات المصاب " بالتثلّث الصبغي" trisomique كما يقول الطبّ ، وتجد في سياستها ما يقودك إلى القول بأنّها مصابة " بالتوحّد".. وإذن فهي حكومة تمكّن منها داء مركّب لا رجاء في شفائها منه: نقاط كثيرة تجمع هذه الحكومة بأعراض التثلّث الصبغي، ونذكر أهمّها:

التغيرات في شكل اللسان : ولذلك انعكاس على طريقة النطق والتعبير، وحكومتنا مصابة بهذه الأعراض، فهي كما يقول العرب " عيِيَّةٌ"، غاب الوضوح في تصريحاتها. ولك أيّها القارئ مثال حديث عشناه في شهر مارس، فقد أعلن وزير الصناعة يوم 5 مارس بمقرّ اتحاد الصناعة والتجارة "أن الحكومة لا تنوي اية زيادة في اسعار المحروقات على عكس ما تروجه بعض وسائل الاعلام، وأكّد نفس هذا التصريح   يوم 21 مارس 2019 على إذاعة خاصّة. ليتفاجأ الشعب يوم 31 مارس وليلا بقرار الزيادة، ولم يأبه للنتائج المحتملة التي يمكن أن تعفّن الجوّ المشحون بالبلاد.

قصر الأصابع: وإن كانت هذه الصفة عاهة جسدية في المصاب بالتثلّث الصبغي فإنّها في هذه الحكومة عاهة رمزية.. نجدها في القرارات التي تفتقد إلى صرامة وحرص، ويمكن أن نستحضر حادثتين عاشهما هذا الشعب البائس، حادثة الرضّع الملائكة التي تعاملت معها الحكومة تعامل النعامة عندما تشعر بخطر يداهمها، حادثة لم يقف هذا الشعب البائس على أيّ حديث جدّي يكشف له ملابسات ما وقع. كيف تصرّفت هذه الحكومة مع ملفّ الثروة البشرية لتونس؟ الصمت، ومحاولة وأد هذه القضية مثل وأد ملائكتها..

في الحقيقة تمتلك هذه الحكومة قلّة ذات اليد في الملفّ الصحّي، ومن أين تأتي بجرأة المحاسبة وقد تداول على هذه الوزارة وزيران من النهضة في ظرف 8 سنوات؟ أحدهما متحصّل على الماجستير في أصول الدين .. كيف لهذه الحكومة أن تقوم بجلد الذات وتتعرّى أمام هذا الشعب؟؟ أمّا الحادثة الثانية فهي مشهد استعراض العضلات الذي قام به حزب التحرير بمدينة أريانة.. جاب شوارعها وأنهجها وأزقّتها.. وبثّ أفكاره الهدّامة لمفهوم الدولة في أذهان العامّة.. هذا الحزب في الحقيقة يمتلك مكانة الابن المدلّل بالنسبة إلى النهضة التي بفضلها هي ودون غيرها تمكّن من تأشيرة لم ينعم بها أيّ حزب تحرير في بلد عربيّ آخر.. ورجاء لا تتذرّع أيها الشعب بحجّة " حريّة التعبير والتنظّم وحرية إنشاء حزب" فقد تبيّن أنّها ذريعة لأجل إحداث حال من الفوضى " خلاّقة" في نظرهم ولكنّها تسعى إلى تهديم كلّ مظاهر الحداثة ليحلّ الخراب والبداوة..

صفات ثلاث أخرى تميّز المصاب بالتثلث الصبغي ، وأعتقد أنّ هذه الحكومة تعاني منها أيضا، وهي: مشكلات في الإبصار والسمع، انخفاض مستوى الذكاء ، والتأخر الذهني بالغ .

فقد غابت الرؤية المستشرفة والبرامج الواضحة، أضف إلى ذلك أنّها حكومة مصابة بمرض الغرور، عافانا وعافاكم الله، ولا ندري الأسباب، فالفشل يلازمها تقريبا في كلّ مبادرة أو قرار.. ولعلّ الغرور دليل على نقص في الذكاء. الأمر الذي نتج عنه أنّها انغلقت على أحزابها التي لا تنفكّ عن " الزغردة" في آذانها.. فكانت القطيعة بينها وبين الشعب.. نعم إنّها القطيعة.. وليت هذه الحكومة تدرك ذلك وتفهم.. قطيعة نعيشها يوميّا..

فيا سي الشاهد.. هل أخبرك مستشاروك بما يقوله العامّي البسيط كلّ صباح وهو يقصد السوق؟؟؟ هل أعلمك من تنصت إليهم في ثقة واطمئنان أنّ حال الفقر التي بلغها الشعب جعلته يهذي في الشارع بعبارات أنآى بنفسي عن ذكرها.. وعلى كلّ فأنت ابن الشعب، إن كنت مقتنعا بذلك، ولك أن تسير بين الناس وسترى حال الخراب التي ارتسمت على تجاعيد العجائز والشيوخ وحتى على جبين الشاب...

يا سي الشاهد.. هل اعترضتك يوما امرأة حائرة أمام بضع " صوارد" تقبض عليها بيديها لتحاورها بسعر الجلبانة أو البطاطة أو حتى حارة البيض؟.. فإذا بها تصرخ ، ألما، لأنّها غير قادرة على تأمين طعام يومها لعائلتها؟؟؟ أمّا أنا فإنّي أعيش هذه الحادثة يوميّا، وحريصة على أن أعيشها.. حتى لا تغرّني إحصائيات مراكز سبر الآراء التي أخرجت هذا الشعب في صورة المازوشي الذي يتلذّذ ليد خانقه..

أعتقد أنّك احتككت بالشعب يوم أمس مرّتين: احتككت به عندما واجهت سيلا من السخط على الزيادة في المحروقات، ولا أعتقد أنّها حالة طارئة آيلة إلى الهدوء، إن كان مستشاروك قد هدأوا من روعك .. واحتككت به عندما خلع الجامعيون أبواب البرلمان ليبلغوك سخطهم، بعد أن تجاهلتهم واحتقرتهم، بالرغم من أنّك جامعي و وزيرك جامعي.. وأعتقد أنّك تعلم أنّ راتب المساعد اليوم أقلّ من راتب أستاذ فوق الرتبة بالثانوي.. قد نتساءل لماذا بلغنا هذه الحال؟ أليس لأنّ لنقابة الثانوي قيادة تؤمن بالمطالب التي تدافع عنها، ورمت بالسياسي والتنازلات السياسية جانبا، ولذلك تحصّلت على ما طالبت به، أمّا الجامعي فهو المسالم والمتريّث.. ويقوده زعماء يتصفون بطول البال والأخذ بالخاطر.. ونتيجة لذلك انشق جزء هامّ من الجامعيين عنهم، وها إنّك ترى أنّ الأمور ذاهبة نحو التعقيد، والسبب.. أنت ووزيرك ومن نصحك باقتناص الفرصة واستعراض عضلاتك مع الجامعيين ، عملا بالمثل " اضرب القطوسة تتربّى العروسة"، فقطعت أرزاقهم بالرغم من أنّهم يؤمّنون وإلى اليوم دروسهم وأفواههم فارغة وأبناؤهم مهدّدون بالطرد من شقق مكتراة.. أهي سياسة التفقير والتجويع التي نصحوك بها؟ تبّا لها من سياسة لأنّها ستولّد الثائر الذي لم يعد لديه ما يحافظ عليه.. ستولّد الجائع الذي يرى أنّك استوليت على قوته وقوت عائلته.. ألهذا الدرك نزلت قيمة الجامعي اليوم؟ الجامعي الذي كابد المجتمع في تكوينه حتى يكون منارة أجيال قادمة؟؟ فبما أنّك قطعت أرزاقهم.. ما رأيك لو هيأت لهم سقيفة سيدي محرز للانتقال إليها بعائلاتهم؟؟ على الأقل سقيفة تحتوي على ضروريات العيش...

وفي الأخير، أذكّرك بما كنّا ، نحن الأساتذة، نقول أيام بن علي ، كنّا نقول إنّه يريد قصم أظهرنا ولن يكون له ذلك، وفعلا وفقنا في أن نجعل الجامعة حرما، إليها يلتجئ الطالب وتحت أجنحتنا كان يحتمي.. أمّا اليوم فقد هدرت قداسة الجامعة وافتكّ منّا أبناؤنا ليقدّموا مذاقا سائغا في أفواه الظلامية والرجعية..

والأدهى، ما شاهدناه ليلة أمس، وهو في نظري الطامة الكبرى، استجلاب الأمن أمام وزارة التعليم العالي سيارة إسعاف خاصّة بالتحاليل الطبيّة.. أتدرون ماذا يدور بخلد الشاهد؟؟ إنّه يبحث عن إشارة أو علامة يتكّئ عليها للتنديد بالجامعيين وتشويههم بتهمة تعاطي الزطلة أو الكحول.. اعذروه فالرجل مصدوم: تعوّد على الجامعي ذليلا حسيرا، لا يجرؤ على رفع رأسه .. فكيف به وهو يواجهه صارخا ومطالبا بحقه في حواره.. نسيت هذه الحكومة أنّ الجامعي " إنسان مفكّر"، وعلى عاتقه مسؤولية تكوين أجيال تفكّر وتناقش.

فناري عليك يا تونس.. الجميع يضحك على ذقوننا.. وعلى قدر صراخنا ونحن نغرق...تهلّل شركات سبر الآراء مبشّرة أنّ الشاهد في أعلى الترتيب..

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter