alexametrics
آراء

كرامة مدفوعة الأجر

مدّة القراءة : 2 دقيقة
كرامة مدفوعة الأجر
 
عندما سئل الزعيم الافريقي نلسن مانديلا عن سبب رفضه قبول تعويضات عن السنوات الطويلة التي ‏عانى خلالها من استبداد نظام الميز العنصري اجاب بأنه كان يناضل طوال عشريات عديدة من اجل ‏الحرية فيما سيجعل قبوله بالتعويض عن هذه السنوات مجرد مرتزق.‏
وفي تونس أيضا، رفض آلاف المناضلين من اليوسفيين والقوميين واليساريين بتصنيفاته التعويض عن ‏الاعتقال والتعذيب والسجن والمحاكمات الجائرة والتضييق عليهم وعلى عائلاتهم ومنعهم من ابسط ‏حقوقهم المدنية والسياسية وحتى من العمل وكسب قوتهم وقوت ابنائهم. قلة قليلة منهم تعد على أصابع اليد ‏تقدمت بطلب التعويض لدى هيئة الحقيقة والكرامة. وحدهم الإسلاميون قيادات وأنصار هم من تدافعوا ‏لطلب التعويض عن الانتهاكات التي كانوا ضحيتها زمن حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي.‏
 
وللحقيقة فان مسار العدالة الانتقالية يجيز لهم المطالبة بالتعويض عن الانتهاكات التي كانوا ضحيتها. لكن ‏العدالة الانتقالية هي مسار طويل يتضمن العديد من المراحل ويعتمد على آليات عديدة تنطلق من ‏الاعتراف فالاعتذار وطلب الصفح فالمصالحة والتعويض. كل ذلك لتحقيق هدفين لا تستقيم العدالة ‏الانتقالية دونهما وهما معرفة الحقيقة ومنع تكرار الانتهاكات. الا ان مسار العدالة الانتقالية في بلادنا سقط ‏للأسف بين ايادى غير أمينة وحاد عن أهدافه وكان الهمّ الوحيد لهيئة الحقيقة والكرامة ورئيستها اعادة ‏صياغة منحازة لتاريخ البلاد والتعويض المادي للإسلاميين.‏
وسوف يكون موضوع التعويضات احدى نقاط الخلاف الاساسية لدى مناقشة قانون المالية للعام القادم ‏الذي تضمن في احدى فصولة انشاء صندوق الكرامة ووسائل تمويله. ويستشف من النقاشات الجارية حاليا ‏داخل لجنة المالية ان التجاذب على أشده بين كتلة النهضة وحلفائها من جهة وبين كتلة نداء تونس ‏والمعارضين للإسلاميين من جهة أخرى. ويبدو ان الاسلاميين يرفضون كل صيغة لتعديل شكل صندوق ‏الكرامة هذا ومهامه والاستئثار بالسرعة القصوى ويكل الطرق بالتمويلات التي ستغدقها الدولة والجهات ‏المانحة على هذا الصندوق.‏
ويطرح هذا التمسك المستميت للإسلاميين "بحقهم" في التعويض في أسرع وقت ثلاث اشكاليات دفعة ‏واحدة تتعلق بالمستوى الاخلاقي فالمستوى الاقتصادي والاجتماعي وأخيرا بالمستوى السياسي.‏
 
فأما علي المستوى الأخلاقي فان أنصار حركة النهضة يضعون أنفسهم بقبولهم بالتعويضات المادية في ‏موقف المرتزقة الذين يقايضون نضالاتهم بحفنة من المال بخلاف مناضلي الفصائل الاخرى من ‏المعارضة وهو ما يشوه نضالاتهم ويعطي عنهم صورة قاتمة قي صفوف الرأي العام يل يزيد من توجس ‏التونسيين تجاههم. وقد كان حريا بالإسلاميين وهم الذين استرجعوا حريتهم وحقوقهم بفضل ثورة لم ‏يساهموا فيها اطلاقا ان يؤثروا على أنفسهم جرحى الثورة وعائلات الشهداء فيطالبون بنشر قائمة الشهداء ‏والجرحى ويقدمونهم على أنفسهم في التعويض المادي عن التضحيات التي استفاد منها الاسلاميون ‏وغيرهم من التونسيين.
وأما على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فان الصعوبات المالية والاقتصادية التي تعيشها البلاد ‏وانعكاساتها المباشرة على الوضع المعيشي لفئات واسعة من الشعب التونسي يجعل انكباب جميع الاطراف ‏حكومة وأحزابا ومنظمات على معالجة هذه الأوضاع أولوية قصوى لا تسبقها أولوية. وبقطع النظر عن ‏الأهداف الكامنة ورائه فان رفض النهضة للمقترح الذي تقدم به النداء داخل لجنة المالية بتحويل صندوق ‏التعويضات لفائدة الاسلاميين الى صندوق لمساعدة العائلات الفقيرة والمعوزة ينم عن أنانية مفرطة وعن ‏ازدراء بأوضاع الطبقات الشعبية. وسوف يعيد نواب النداء بكل تأكيد تقديم مقترحهم أمام الجلسة العامة ‏لمجلس نواب الشعب خلال مناقشة قانون المالية وهو ما سيضع الاسلاميين وحلفائهم في موقف حرج ‏للغاية لا سيما وان الجلسات العامة للمجلس سوف تكون منقولة على الهواء مباشرة.‏
 
ولا تبدو مواقف الاسلاميين المتمسكة بالتعويضات المالية محرجة بالنسبة لحركة النهضة التي تنظر الى ‏هذا الملف من زاوية المغانم السياسية دون سواها. فالسنة المقبلة هي سنة انتخابية تحتاج فيها النهضة ‏كغيرها من الاحزاب المتنافسة الى تعبئة أنصارها. وسوف يمكن صندوق الكرامة في صورة اقراره من ‏تقديم النهضة لهدايا مجزية لقواعدها  تعد بعشرات الملايين لكل واحد من هؤلاء الذين يتوقع ان يقارب ‏عددهم الخمسة والستين ألفا وهو ما سيمكنها من ضمان ولائهم وشحذ هممهم خلال الحملة الانتخابية ‏المقبلة. وبالتالي فان صندوق الكرامة في حالة المصادقة عليه سيكون من الناحية السياسية بمثابة تمويل ‏للحملة الانتخابية للنهضة وهو ما سيجعل المنافسة بينها وبين بقية الاحزاب المشاركة في الانتخابات ‏المقبلة منافسة غير عادلة ومنصفة وسيكون له تأثير مباشر على نتائج الانتخابات.   ‏
 
 
 
 
 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter