alexametrics
آراء

كل شيء كان على ما يُرام .. إلى أن تدخّل قيس سعيّد

مدّة القراءة : 5 دقيقة
كل شيء كان على ما يُرام .. إلى أن تدخّل قيس سعيّد

 

هناك تقنية يعرفها جيدا كل الصحفيين الذين يتقنون مهنتهم ويحترمونها وتتمثل في طرح السؤال التالي: أي رسالة رسخت في عقول الناس بعد مقال أو ومضة إشهارية أو خطاب سياسي ؟ فانطلاقا من الجواب يمكننا أن نقيس نجاعة خطاب أو مقال. فما الذي بقي في أذهاننا من خطاب رئيس الجمهورية، قيس سعيّد الذي ألقاه مساء الثلاثاء 17 مارس الجاري، طيلة 9 دقائق؟ تأخير كبير في بث الخطاب وعربية فصحى غير مفهومة ورتابة في الإلقاء وكثير من الثرثرة وقرار بحظر الجولان، غير مسبوق ولم يستوعب مقاصده أحد.

 

لقد استمعنا لكثير من خطب رؤساء ووزراء أول في الدول المتضررة من فيروس كورونا وقرأنا العديد من الدراسات والتوصيات الصادرة عن العلماء المختصين، ولم نعثر أبدا على قرار أو توصية بفرض حظر التجوّل .. لا وجود لبلد واحد أعلن مثل هذا الإجراء وذلك لسبب واضح وهو أن الحظر ليس فقط عديم الجدوى بل كذلك خطير العواقب.

 

في كل الخطب التي استمعنا إليها كان يتم آليا الإعلان عن قرارات اقتصادية تتخذها الدولة لمرافقة ومساندة الأشخاص المحتاجين. وإذا كان كل قادة الدول المتقدمة أعلنوا عن مثل تلك القرارات ذات الضغط الكبير على ميزانيات بلدانهم فلأن هناك سببا وجيها لذلك  وهو بكل بساطة إنقاذ إقتصادهم من الغرق. 

 

هنا في تونس أبدى قيس سعيّد جهلا مطلقا بأبجديات الإقتصاد وأصرّ على أن يستعرض ذلك الجهل أم العالم كلّه .. تحدث عن إجراءات اقتصادية مثل إعادة جدولة الديون ..ولكن لا أحد طالب بهذا والدولة لا سلطة لها على البنوك لتفرض عليها هكذا إجراء .. المشكل سيدي الرئيس أكبر من ذلك وأكثر تعقيدا.

 

لقد دعا المواطنين إلى مضاعفة الجهد والتضامن من خلال التبرّع لفائدة صندوق آخر لمساندة وزارة الصحة. الدول المتقدمة لم تحدث مثل هذه الصناديق بل على العكس تم ضخ المزيد من المال في الإقتصاد وذلك بهدف تعزيز القدرة الشرائية للموطن .. دونالد ترامب ذهب إلى حد التفكير في منح شيك بقيمة ألف دولار لكل مواطن.

 

في فقرته الإذاتية لهذا الصباح (الثلاثاء 18 مارس 2020)، قال فرنسوا لنغلاي على موجات RTL  "في فرنسا هناك 300 مليار ستخصص في شكل ضمانات بنكية لفائدة الشركات والمؤسسات و45 مليار يورو سترصد لدعم الإقتصاد. في إسبانيا تم تخصيص 100 مليار في شكل ضمانات و100 مثلها لضمان عودة الانتعاشة الاقتصادية. في المملكة المتحدة سيتم رصد 350 مليارا كضمانات أما ألمانيا فقد قررت تخصيص 400 مليار ثم ألف مليار.

 

في الجملة هناك أكثر من 2500 مليار تم التعهد بتخصيصها  سواء في شكل ضمانات للقروض أو مساندة للإقتصاد وذلك خلال ال48 ساعة الأخيرة فقط.

 

صار من المؤكد أن قيس سعيّد يفتقر لوجود مستشارين اقتصاديين جيدين من حوله وهناك شكوك حول وجود مستشارين أكفاء أصلا. فلا مديرة ديوانه لها الخبرة والدراية الكافية لما يجب أن يكون عليه رجل الدولة ولا المكلف بالإتصال التي لم تستوعب بعد أننا في سنة 2020. وأنا أراهن على أنها تنتقي له "معرض الصحف" وتخفي عنه التحاليل السياسية والإقتصادية التي قد لا تروق له. هذا هو التفسير الوحيد الذي قد نجده لتبرير العزلة التي يوجد فيها السيد الرئيس.. إذا كان هو لا يطلع على المقالات النقدية والتحاليل والإفتتاحيات ومقالات الرأي فلتقرأ هي ولتطلعه على الأقل على مضمون صفحة (الإقتصاد بالفلاقي) على الفايسبوك، ربما قد يستوعبون حينها أبجديات ما كان يفرتض بهم أن يدركوه.

 

ما الذي يحدث في قصر قرطاج وفي ذهن قيس سعيّد، حتى نصل إلى هذه الدرجة من قلة الوعي السياسي بالنظر الى خطورة ما يحصل في البلاد وفي العالم؟ وحتى يصل بنا الأمر إلى أن التونسيين صفقوا وأشادوا بخطاب الرئيس الفرنسي (ليس فقط في ضاحية المرسى) في حين أن خطاب الرئيس التونسي أثار العديد من الانتقادات والقلق فضلا عن مضمونه الفارغ من أي محتوى ذي قيمة تذكر؟

 

في كلمته ليوم 13 مارس 2020، أعلن رئيس الحكومة، إلياس الفخفاخ عن حزمة من الإجراءات التي ساندها معظم التونسيين. وفي كلمته ليوم 16 مارس أعلن الفخفاخ عن حزمة جديدة من القرارات والإجراءات لكنها كانت دون التطلعات والمأمول ومع ذلك كانت معقولة وناجعة. فقد قال ما كان عليه أن يقول في أقل من عشر دقائق وتعهّد بمزيد من الإجراءات خاصة في ما يتعلق بخطة مساندة إقتصادية .. رئيسا منظمتي الأعراف (سمير ماجول وطارق الشريف) منكبان على المسألة ويقومان بالجهود اللازمة من أجل أن تلقى توصياتهما الآذان الصاغية من رئيس الجهاز التنفيذي .. المركزية النقابية (وهذا حدث نادر) قدمت دعمها للمؤسسات والشركات، من منطلق وعيها بارتباط مصير منظوريها بهشاشة تلك الشركات وإمكانية إفلاسها.

 

الظهور الإعلامي للفخفاخ في مناسبتين كان مطمئنا إلى حد ما وهوما لم يرق لقيس سعيّد الذي وجد نفسه فجأة محروما من دوره كرئيس للدولة وقد أبلغه ذلك حين استقبله يوم 16 مارس وقال له إن على كل سلطة أن تحترم مهامها ولا تتعدى على مهام السلط الأخرى، بعيدا عن المزايدات السياسية.

 

إذن نحن لدينا في أعلى هرم السلطة، حرب صلاحيات بين رأسي الجهاز التنفيذي والجهاز التشريعي. نائب رئيس البرلمان قالها صراحة من خلال دعوة الغنوشي وسعيّد والفخفاخ إلى تجاوز خلافاتهم.

 

العالم يحارب اليوم وباء تحوّل إلى جائحة كونية ورئيس جمهوريتنا منشغل بمن له السلطة لقول ماذا. هو بهذا الشكل يتخذ من البلاد رهينة من خلال إعلانه هذا القرار الخطير وهو قد يتحمل مسؤولية أرواح قد تزهق لكن يبدو أنه غير مدرك لخطورة  الأمر. لقد أحاط نفسه بأشباه الخبراء وأصحاب الرأي .. صحيح أنه استقبل كلا من وزراء الصحة والداخلية ورئيس منظمة الأعراف والأمين العام لاتحاد الشغل، لكن هل أصغى إليهم؟ شخصيا أشك في ذلك حين أستمع لخطابه وقراره الخطير بفرض حظر الجولان ودعوته التونسيين إلى التبرع (في حين كان على الدولة أن تساعد التونسيين)، فضلا عن الغياب المطلق لأي إجراء لفائدة المؤسسات (رغم أنها توفر أجور ورواتب الملايين من التونسيين).

 

ما الذي سيحدث الآن؟ .. بسبب حظر التجوّل هذا الذي ينطلق على الساعة السادسة مساء من كل يوم والذي لم يعلن مثله أي بلد آخر، فإن الإدارات والمؤسسات والمغازات الكبرى ستغلق أبوابها في حدود الرابعة بعد الزوال أي أن العملة والموظفين سيتوجهون نحو وسائل النقل العمومي خلال هذا الحيز الزمني (من الساعة 16 إلى الساعة 18) وستزدحم الطرقات بطبيعة الحال بما يعني أن الأشخاص الذين تكتظ بهم الحافلات وعربات الميترو سيقضون وقتا أطول في الطريق.. لكن قبل ذلك عليهم أ، يهرعوا في اتجاه المحلات التجارية والأسواق والمغازات قبل أن تغلق لقضاء حاجاتهم وشراء ما يلزمهم من مواد عذائية واستهلاكية وصيدلية وغيرها من مستلزمات هذه العزلة الذاتية الجماعية.. وهو ما سيتسبب قطعا في طوابير لا مفر منها.

 

عواقب حظر التجول واضحة للعيان ولا تتطلب مجهودا وذكاء خارقا لكن قيس سعيّد لم يجد من حل سوى الإستشهاد بحديث نبوي وهنا ندرك الحالة التي وصلها الرجل في تعامله مع هموم هذا الوطن.

ماذا كان عليه أن يفعل؟ .. كان يفترض به أن ينآى بنفسه عن الجميع مثلما تنص على ذلك فصول الدستور ويترك إلياس الفخفاخ يتصرف ويقوم بما يتوجب عليه فعله وهو ما نجح فيه إلى غاية الآن.

كان عليه أن يصغي جيدا ولا يكتفي بالاستماع وأن يستوعب ما قاله له إلياس الفخفاخ وسمير ماجول ونور الدين الطبوبي.

 

ما الذي كان يجب فعله؟ .. إجراءات العزل كانت كافية والتونسيون أظهروا قدرا لا يستهان به من التحضّر والإلتزام خلال الأيام القليلة الماضية. وتلك كانت توصيات المجالس العلمية والخبراء في عديد البلدان المتقدمة وما كان علينا إلا اتباعها. كان علينا اتخاذ قرارات اقتصادية عاجلة لضخ السيولة في الإقتصاد الوطني وليس طلب العون والتبرع من التونسيين (على طريقة دينار دينار). كانت تلك توصية أكبر الخبراء في العالم والتي طبقتها كل البلدان المتقدمة وما كان علينا سوى الأخذ بها.

 

كان على قيس سعيّد أن يترك إلياس الفخفاخ يتصرّف ويدير هذه الأزمة، لأنها من صلاحيات رئيس الحكومة. أما إذا كان مصرا على الظهور في وسائل الإعلام فما كان عليه إلا أن يخرج علينا بخطاب مطمئن ويعاضد الحكومة في تمشيها الموفّق إلى حد الآن.. لكن عندما يكون لدينا رئيس يستلهم أفكاره وخطبه من عمر الخطاب والرسول محمد، عوضا عن خبراء بلاده، فلا يتبقّى أمامنا سوى الدعاء بالنجاة من كارثة قد تحدث من جراء قراره فرض حظر الجولان .. 

 

  (ترجمة عن النص الأصلي بالفرنسية)

  

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter