alexametrics
آراء

في القصرين: ‏«هذه الدولة ما تفهمش بالرجلة» ‏

مدّة القراءة : 3 دقيقة
في القصرين: ‏«هذه الدولة ما تفهمش بالرجلة» ‏

 

لم يكن الشاب عبد الرزاق الزرقي، حالة استثنائية في السياق الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي تعيشه القصرين والعديد من ولايات الجمهورية، فهو صورة ما لكلّ واحد منّا.

 يراكم أي فرد في كلّ لحظة تجربة أو انفعالا أو تصوّرا... يجعله متغيّرا من حين لآخر، "اذ لا يمكن عبور النهر مرّتين" مثلما يقول هيراقليطس (Héraclite )، اذن كان يمكن أن يكون أي واحد منّا عبد الرزاق الزرقي.

 

في القصرين، لا شيء يوحي بحضور الدولة أو وجودها أصلا، فاذا لم تكن عارفا بمقرّات الإدارة قد يذهب بك الأمر الى الاعتقاد بأنّه لا وجود لمسؤولين في تلك الولاية.

رغم جمال المكان وتلك الصورة البديعة في وادي الدرب ومغيب الشمس تحت سطوة الشعانبي وانحناءات جبل سمامة اليافع وبدعة بولعابة وما تركه الرومان في كلّ مكان بالجهة من مسارح وحدائق وأعمدة وقصور وساحات، فانّ "دولة الاستقلال" أتت عليها مثلما أتى قبلهم "بنوهلال" فكانوا "كالجراد المنتشر لا يمرّون على شيء اٍلا أتوا عليه" مثلما قال ابن خلدون في كتاب العبر.

الطريق الى القصرين، في وضع عادي هي رحلة ممتعة، ولكن في الوضع الذي تعيشه تونس، خاصة مع احتلال المجموعات الإرهابية لسلسلة الجبال الغربية، فانّ التنقّل قد يطرح أمامك العديد من الأسئلة.

 

لماذا تغيب الأجهزة الأمنية عن نقاط يُعتبر تأمينها أمر ضروري. لم تغب يوما دورية الحرس الوطني عن مفترق جلمة الاّ هذه الأيام، والسر مازال مجهولا..  لن تجد آثار أمني واحد بقرية مغيلة حيث يصول الارهابيون ويجولون، ثم لن يعترضك أي مظهر من مظاهر الدولة في تلك المساحات الشاسعة الى أن تصل الى مدينة القصرين، حيث تغيب الدوريات المدجّجة بالسلاح عن مدخلها من جهة بوزقام، ولم تبق غير تلك الكاميراوات الزرقاء التي لم تقدّم ولم تؤخّر الى اليوم. وكأنّه أريد لها أن تحلّ محلّ الأمني لا أن تكون أداة عمل ومساعدة.

تواصل المسيرة، لن تجد ما يوحي بالاطمئنان، أحيانا دورية يتيمة تحتمي من البرد الجهوي بجدران قوس القصرين الغريب، تشقّ المدينة شقّا، طريقان فقط، هي كلّ الحكاية، شارع الحبيب بورقيبة وشارع الدولاب المعطّل منذ أكثر من خمس سنوات بسبب فساد الدولة ومقاوليها.

في الطريق يعترضك معمل عجين الورق الذي شاخ وأصبح عاجزا حتى عن إطلاق صافرة تنبيه موعد دخول العمال وخروجهم. - بالمناسبة، فإنّ هذا المصنع هو موطن شغل المدينة الوحيد- ثم تمرّ عبر وادي الدرب حيث مازال يحافظ على جماله الذي مزّقت أجزاء منه حالة النسيان والإهمال المتعمّد.

 

خمودة، كلّ شيء على ماهو عليه قبل أن يحترق أبناؤها تحت نيران شاحنة تائهة، آثار النيران على حالها والفقر والتهميش مازالا يحتضنان كلّ المكان، ثمّ الدولاب وسمامة الممنوعة على التونسيين حيث لا يسكنها غير قطعان الإرهاب وبعض المقاومين من أبناء هذه الأرض، فطريق العيون ومزرق الشمس وصولا الى سبيطلة عبر طريق سبيبة، لا شيء يوحي أنّك في تونس، لا أمن ولا حرس ولا دوريات ولا حراسة ولا حتّى علم البلاد المفدّى، "اذهب أنت وربّك فقاتلا "...

 

ضمن تلك المجالات وفي سياقها وداخل مساراتها نشأ الآلاف من عبد الرزاق الزرقي، أكلهم التفقير والتهميش والتقتيل والتكبيل والتبرير والتعتيم، فلم يبق منهم هناك الاّ من خاب خروجه، أمّا رفاقه فمنهم من أكلته البحار ومنه من غادر المكان الى جهة أخرى ومنهم من أصبح كادر من كوادر الدولة ومنهم من لفّه النسيان.

عبد الرزاق المراسل والمصوّر الصحفي لقناة تلفزة تي في، التي قد يُصادف أحيانا أن تدفع أجور العاملين فيها، وأي أجور تدفعها.

العديد من وسائل الاعلام لا تدفع لمراسليها أكثر من 200 دينار، منهم من يشقى صباحا مساء، وهنا نتحدّث عن مراسلين صحفيين متفرّغين.

قد يقال من باب الجدل هل أنّ كلّ من أصابه الفقر وأكله التهميش ينهي حياته، وكلّ بطريقته؟

الفقر هو قرار سياسي، لا شكّ في ذلك، فكلّ الدراسات تؤكّد أنّ العدالة الاجتماعية ممكنة اذا كانت هناك الإرادة السياسية.

والتهميش هو نتاج للفقر وهو بالتالي قرار سياسي، لكن اذا اجتمعا فانّهما لا يخلّفان بالضرورة الانتحار.

الانتحار هو حالة شخصية يمتزج فيها النفسي بالشخصي بالموضوعي بالسياسي بالاجتماعي والثقافي... وباللحظة التي يكون فيها موضوع الانتحار، ففي كلّ لحظة يكون الحال حالا آخر.

 

اذن ظاهريا، فانّ عبد الرزاق الزرقي، اجتمعت فيه وحوله العديد من الشروط، منها ماهو ذاتي ومنها ماهو موضوعي ولكن انضاف لها عنصر آخر وهو المشهدية والفرجوية.

لقد كان موته مشهديا وفرجويا، تمّ تصويره على المباشر وقد أعلن الزرقي موعده مع الموت بحضور صانع ذلك المشهد.

السؤال هنا من المستفيد من تلك الصورة؟ وهل أنّ موت عبد الرزاق الزرقي؟ هو عملية انتحار لا غير؟ أم أنّنا أمام حركة احتجاجية بلغت أقصاها وأقساها؟

أليس اختيار موعد الموت وطريقته ومكانه وسببه أمر خيالي؟ لماذا الموت؟

هذا الشاب قال كلمة أعتقد أنّها تختزل ما يفكّر فيه الآلاف "هذه الدولة لا تفهم بالرجلة" أي لا تفهم لغة الحوار، لذلك دعا الى الاحتجاج والتخريب وحرق الإطارات المطاطية.

فالدولة، هي الجهة الوحيدة القادرة على اخماد النيران الملتهبة داخل أجساد الآلاف، وهي نيران حينًا تأكل جسد صاحبها ولكن أحيانا تأكل من حولها.

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

النشرة الإخبارية