alexametrics
آراء

قيس سعيّد والحبيب الجملي تنقصهما ساعة "رولاكس"

مدّة القراءة : 6 دقيقة
قيس سعيّد والحبيب الجملي تنقصهما ساعة

 

صدرت مؤخرا بطاقة إيداع بالسجن في حق سامي الفهري وهو بالتالي مفتش عنه وغير قادر على مباشرة عمله على رأس الحوار التونسي، ثاني أكبر قناة تلفزية من حيث نسب المشاهدة في تونس. ربما لاحظتم أن صحفيي ومعلّقي الحوار التونسي أصبحوا أقل حدّة في البرامج الحوارية خلال الفترة الماضية فغابت الإتهامات والمداخلات المشحونة كما خفّت محاصرة السياسيين من خلال عدم التذكير بزلاتهم ومشاحناتهم.

 

نبيل القروي هو أيضا تلاحقه قضية شائكة وقد يتم التحقيق معه مجددا في كل حين وهو كذلك عاجز عن ممارسة عمله كما ينبغي على رأس المحطة التلفزيونية الأولى في تونس بحُكم تجميد أمواله.. وقد يتساءل البعض عمّا إذا كان أفراد طاقمه الصحفي والتقني والإداري يتقاضون أجورهم في الآجال وإذا ما كانوا سيتعرّضون للطرد من قناة نسمة.

 

حالة التململ هذه شملت كذلك باقي وسائل الإعلام من إذاعات وصحافة مكتوبة (مطبوعة وإلكترونية).. فحتى وإن لم يكن أصحابها ملاحقين قضائيا فإنهم يواجهون صعوبات كبيرة في تأمين رواتب وأجور العاملين لديهم والإيفاء بالتزاماتهم المالية مع نهاية الشهر.. وفي انتظار مرور هذه العاصفة ومعرفة مصير زملائهم في نسمة والحوار التونسي فإن أصحاب المؤسسات الإعلامية سيلتزمون الصمت وسيخرسون أفواه الصحفيين العاملين معهم.

 

وهاهو اليوم قطاع الصحافة وهو من بين مجالات قليلة انتعشت بعد الثورة، يجد نفسه مهددا من جديد قبل حتى أن يبلغ المستوى المأمول والمرجو من قبل المواطنين الذين يتطلعون إلى صحافة حرّة ومستقلة مثلما هو الحال في الدول الديمقراطية المتقدمة.. فوسائل الإعلام ليست إلا مرآة للمجتمع التي توجد فيها لذلك فإن لدينا وسائل الإعلام التي تليق بنا وهذا في جانب منه "بفضل" قادتنا السياسيين.

 

فالصحافة التونسية يتم اليوم تكميمها تدريجيا عبر وسائل تبعث على السخرية إذ أن عشرات وسائل الإعلام أفلست وأغلقت أبوابها خلال السنوات التسع الأخيرة بسبب نقص التمويلات.. الوسائل الإعلامية الأقل تضررا تنقسم إلى فئتين : الأولى تضم الملاحقين من قبل القضاة الذين يأتمرون بالأوامر والتعليمات والثانية تضم الأقل تأثيرا وهؤلاء يتم تجاهلم أو حرمانهم من المعلومات.

 

فأي وسيلة إعلامية تحترم نفسها لا يمكنها الصمود والعيش دون توفير أخبار طازجة وذات أهمية لجمهورها وهذه الأنباء لا تكون مفبركة بل يتم استيقاؤها من السياسيين سواء كانوا في المعارضة أو في الحكم.. لكن إذا أغلق هؤلاء أبوابهم أمام الصحفيين لا يمكن الحديث حينها عن إعلام.. فرجال السياسة بتصرفهم هذا لا يحرمون الوسائل الإعلامية من المعلومة الدقيقة والخبر اليقين بل المواطن أي دافع الضرائب والناخب.. صراحة ودون أية مبالغة إن وضع حرية الصحافة وغيرها خلال الفترة الحالية أسوأ مما كان عليه في عهد زين العابدين بن علي ومنصف المرزوقي والباجي قايد السبسي.

 

ففي كل الديمقراطيات العريقة يعقد كبار القادة (الرئيس والوزراء وكبار المسؤولين) لقاءات دورية (بعيدا عن عدسات الكاميرا غالبا) مع الصحفيين والإعلاميين المؤثرين لإعطائهم بسطة عن طريقة عملهم وإقناعهم بتوجه أو سياسة معيّنة.. قادة الرأي هؤلاء يلتقون مختلف الفاعلين السياسيين ويلتقطون المعلومات من هنا وهناك ويكوّنون آراءهم الخاصة بهم حول مجريات الأمور ثم يقدّمون لقرّائهم خلاصة وعُصارة ما لديهم من أفكار  في شكل مقالات رأي وهي مقالات عادة ما تكون موجّهة لخدمة قضية أو إيديولوجيا يُمليها الخط التحريري الوسيلة الإعلامية.

 

حين نطالع المقالات المتعلقة بالرؤساء الثلاثة وهم قيس سعيّد (رئاسة الجمهورية) وراشد الغنوشي (البرلمان) وحبيب الجملي (رئاسة الحكومة) لا نجد شيئا ذا أهمية تذكر ولا أي تحليل معمّق أو فكرة واضحة حول الوجهة المزمع اتباعها.. الأسباب واضحة وجليّة فهؤلاء الثلاثة يعتمدون التعتيم التام وحبسوا أنفسهم في برجهم العجاجي.

 

راشد الغنوشي اعتمد في السابق أسلوب اللقاءات غير المعلنة والبعيدة عن الكاميرات واختبر كل قادة الرأي المتوفرين على الساحة الإعلامية وقد خاب ظنّه فيهم فهو لم يقدر أبدا على إقناعهم لأنّ قناعاتهم الإيديولوجية المعادية للإسلاميين تقف حاجزا أما كل مساعيه لإقناعهم بأفكاره.. وهنا تجدر الإشارة إلى عدم وجود أية وسيلة إعلامية ذات توجه إسلامي ولها جمهور واسع وتأثير كبير.

 

قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، كان قيس سعيّد يقيم علاقات جيدة مع وسائل الإعلام لكنه في المقابل لم تكن له تربطه علاقة ثقة بقادة الرأي فهو لا يصارح أحدا سواء كان ذلك في الماضي أو بعد انتخابه رئيسا، خلافا لسابقيه منصف المرزوقي والراحل الباجي قايد السبسي. فلئن فشل المرزوقي في ربط علاقات دائمة مع الصحفيين "الأصدقاء" إلا أنه حاول وسعى إلى مقابلة الجميع تقريبا بما في ذلك أشدهم انتقادا له.

 

فترة الرئيس الراحل الباجي قايد السبسي كانت الأفضل على الإطلاق إذ شهدت لقاءات عديدة مع قادة الرأي سواء جماعية أو على انفراد.. كان حين يكثر  أحد "الصحفيين الأصدقاء" من توجيه الانتقادات له (خاصة خلال فترة خلافاته مع يوسف الشاهد) يقوم بدعوته إلى قصر قرطاج ليفسّر له رؤيته ثم يفسح المجال الصحفي لاستخلاص ما شاء من أفكار وآراء.. وهو ما يفسّر أن العديد من قادة الرأي وجدوا ما يخوضون فيه في تحاليلهم الخاصة بالباجي قايد السبسي.. فتلك الإيضاحات "لم تكن موجهة للصحفيين أنفسهم بل للتونسيين" وفق ما كان يلاحظه لنا الرئيس الراحل.

 

أما الحبيب الجملي فهو يعمل دون خارطة طريق وقد فضّل أسلوب المونولوج أي الحوار والخطاب المباشر بعيدا عن كل تفاعل مع الصحفيين، على طريقة الشخصيات الدكتاتورية ومن لهم أزمةثقة في أنفسهم.. الجملي اختار بث مقاطع فيديو يتحث من خلالها ولا يقول شيئا يُذكر ويتفادى الأسئلة سواء كانت للتوضيح أو الدعاية أو النقد.

 

عمليّا وبشكل ملموس لم يلتق قيس سعيّد منذ توليه منصب رئاسة الجمهورية منذ شهرين أيا كان تقريبا في إطار غير مُعلن.. صحيح أنه تحادث أمام عدسات الكاميرا مع ممثلي المهنة، لكن أعضاء مجلس الهايكا مازالوا في انتظار اللقاء به ويبدو أن هذا التأخير سببه الخلاف الحاصل مع رشيدة النيفر المكلّفة بالإعلام والإتصال لدى رئاسة الجمهورية.

 

هذه السيدة استقبلت منذ أيام قليلة بعض الصحفيين لكنها رفضت أن تمدّهم برقم هاتفها الجوّال داعية إياهم إلى الإتصال بها عبر الهاتف المركزي لمؤسسة الرئاسة. أذكر أن الباجي قايد السبسي استقبل بعد شهرين من تنصيبه رئيسا للدولة، كل أصحاب الشأن والمعنيين بمهنة الصحافة.. نفس الشيء قام به إيمانويل ماكرون (فرنسا) وجوستان ترودو  (كندا) وغيرهما من قادة الجهاز التنفيذي ممن يتقنون السياسة ويحترمون الإعلام وحرية التعبير والمواطن.

 

كيف للسيدة رشيدة النيفر أن تقيم علاقات متينة وبناءة وروابط تقوم على الثقة مع الإعلاميين والصحفيين إذا كانت هي ذاتها تحتقر قادة الرأي في هذه البلاد؟!.. كيف بإمكانها أن "تسوّق" لرئيسها طالما تتصرّف كما لو كنّا في الدولة السوفياتية في سبعينيات القرن الماضي؟!.. كيف يتسنّى للصحفيين الإتصال بها في صورة حاجة ملحّة وعاجلة للحصول على معلومة صحيحة ومن مصدر موثوق مساء السبت في حدود الساعة منتصف الليل مثلا؟ كيف لرئيسها أن ينجح في مهمته إذا لم يقم بالإتصال مباشرة بقادة الرأي الأكثر تأثيرا؟ ويكتفي بالملخص الذي يوفره له الفريق العامل معه.

 

عالم الإتصال اليوم صارت تتحكّم فيه وسائل التواصل الإجتماعي وكثير يعتقدون أن هذه المواقع هي التي تشكّل الرأي العام.. فيكفي التواصل عبر تويتر أو فايسبوك أو إنستغرام للوصول إلى الهدف مباشرة وهو الجمهور العريض وأفضل دليل على ذلك هو أنه بفضل شبكات التواصل الإجتماعي تلك فاز قيس سعيّد في الإنتخابات الرئاسية أو هذا على الأقل ما يظنّه هو وكذلك المرزوقي من قبله.. وهذا مجانب للصواب فمواقع التواصل الإجتماعي ليست إلا مكمّلا لوسائل الإعلام التقليدية.. فشبكات التواصل هي مجرد مثال عصري وأنيق لصحيفة البرافدا الروسية.. إذ أن الحقيقة والتحليل والتفكير المعمّق والتخمين لا توجد أبدا في شبكات التواصل الإجتماعي بل لا مكان لها إلا في وسائل الإعلام الجادة ولهذا السبب مثلا مازال إيمانويل ماكرون وبوريس جونسون يلتقيان وبانتظام ولو بطريقة غير معلنة قادة الرأي لوسائل الإعلام الأكثر تأثيرا في بلديهما.. حتى أن أكثر ما يتم تداوله على صفحات الفايسبوك ليس "أنشرها ولك الأجر" وغيرها من التفاهات بل المقالات ومقاطع الفيديو التي تنشرها وسائل الإعلام الكلاسيكية سواء كانت جدية أو لا.

 

بعد أن كان أعلن أنه سيكشف عن فريقه الحكومي بداية هذا الأسبوع، طلب الحبيب الجملي مدة إضافية للتشكيل.. لماذا ومتى وما الذي عطّله؟ لا وجود لخبر واحد في الصحف يشفي الغليل وذلك للأسباب التي سبق ذكرها في هذا المقال بالذات.. والنتيجة هي أنه لا يعكس صورة رجل جدّي مما جعل الناس يتندّرون ويتهكّمون من جواربه الغريبة ومشكّ ربطة عنقه وذلك الديكور التعيس والبائس الذي ظهر به في أحد فيديوهاته.. كما أنه فسح المجال أما قادة الرأي ليقارنوه بسارة ماران رئيس الوزراء الفنلندية الجديدة (34 عاما) والتي تمكنت من تشكيل حكومتها في غضون 24 ساعة.

 

هل يدرك الحبيب الجملي أن الوقت من ذهب وأنه من قبيل الإنتحار إضاعة الوقت (مثل أنڨليزي)؟ وكما يقول المثل الفرنسي كذلك (إذا قتلنا الوقت فإنه سينتقم حتما).

 

هذه الملاحظات تسري أيضا على قيس سعيّد الذي يقترب حثيثا من المئة يوم الأولى من عهدته الرئاسية دون أن ينجز أي شيء يُذكر.. فهل قام بمقارنة ما يقوم به هو وفريقه العامل معه بما ينجزه نظراؤه في البلدان الديمقراطية المتقدّمة؟.. هل لديه أدنى فكرة عمّا يحدث في الغرب؟.. الحقيقة هذا تمرين صعب بالنسبة إلى شخص انتهت صلوحية جواز سفره منذ 2014.

 

"الكل يملك ساعة يد من نوع رولاكس. إذا بلغت الخمسين ولم تملك رولاكس فقد فاتك شيء هام في حياتك".. هذا ما قاله سنة 2009 جاك سيڨيلا المختص في عالم الإشهار والتسويق.. هذا الرجل هو من كان سببا في فوز فرنسوا ميتران ونيكولا ساركوزي فضلا عن كونه وراء العديد من الحملات الإشهارية الناجحة.

 

على الحبيب الجملي وبدرجة أقل قيس سعيّد أن يحسّن من مظهره ويبدو أن هذا المظهر الخارجي تنقصه  "رولاكس" في معصم يده هذا من ناحية الشكل والمظهر إذا أراد  حقا أن يكون أنيقا وقد تنسجم تلك الساعة مع مشبك ربط العنق وأزرار الكمّ.

 

من حيث المضمون وهذا موجه له ولقيس سعيّد عليهما أن يعدّلا ساعتيهما على الزمن الحالي أي 2019-2020 فإضاعة المزيد من الوقت عملية انتحارية والإعلام أمر ضروري "لبيع المنتوج" كما يجب التحلي بالشفافية والصراحة ومواكبة العصر وحسن التواصل وعدم التزام الصمت.. هذه دروس أساسية مستخلصة من التجارب السابقة التي تعود لفترة السبعينات والثمانينات والتي يبدو أن قيس سعيّد والحبيب الجملي وبعض مستشاريهما مازالوا يعيشون فيها ولم يبرحوها.

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter