alexametrics
آراء

يوسف الشاهد لا يفقه شيئا ...

مدّة القراءة : 4 دقيقة
يوسف الشاهد لا يفقه شيئا ...

 

 

أسبوع ليس كغيره من الأسابيع شهدته الساحة السياسية في تونس .. أسبوع غير عادي .. أخذ فيه الشعب يومان من الراحة خالصي الأجر .. فليصمت كل من يتشدقون بالحديث عن العمل والإنتاجية والتنمية والليبرالية وغيرها من الكلمات الفضفاضة التي لا نفع منها .. هم لم يفهموا شيئا من الحياة .. فما الغاية من العمل أكثر ومزيد الكسب إذا كان لا وقت لنا لإنفاق المال؟ نحن في تونس بصدد ابتكار نموذج جديد سيحتذي به ويستلهم منه العالم أجمع .. بموجبه يعمل الإنسان أقل ليكسب أكثر وهو ما سنبيّنه للجميع أي كيف أنه باستطاعتك كسب المزيد ببذل جهد أقل وإنتاج أقل، لكن مع التذمّر والتشكي أكثر .. يبدو أننا مع أصدقائنا أصحاب السترات الصفراء في فرنسا بصدد القيام بثورة ستغير وجه المعمورة .. فمنذ 8 سنوات كانت تونس مهد الربيع العربي وهي اليوم ستصبح مهد ربيع الكون.

 

فما هو معمول به في الإقتصاد يكون صالحا للسياسة أيضا .. إذ بالإضافة إلى 14 جانفي والإضراب العام، فقد تزامن هذا الأسبوع مع الشروع في مناشدة رئيسنا الباجي قايد السبسي للترشح للإنتخابات الرئاسية موفى 2019.. وبذلك سنثبت للعالم برمته، أن رجلا في سن 93 عاما له من القوة والصحة والهدوء والإتزان، ما يؤهّله للحكم مجددا لمدة خمس سنوات إضافية. أي أننا وأشقاءنا الجزائريين سنثبت للعالم أن رئيسينا الباجي قايد السبسي وعبد العزيز بوتفليقة يمكن أن يكونا مثالا يحتذى به في الحكم الرشيد والاستقرار في بلديهما .. فلتذهب إلى الجحيم النظريات القائلة بضرورة التشبيب والنماذج الامبريالية الاستعمارية للعالم المتقدم ولتسقط النماذج الجاهزة والمسقطة للديمقراطية الليبرالية التي يريدون فرضها علينا عنوة.

 

وليسقط يوسف الشاهد، هذا الشاب الذي لا يفقه شيئا في السياسة رغم أنه نال ثقتنا .. الشاهد الذي خان من كان سببا في صعوده إلى سدة الحكم، أي رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي وأصبح يعمل لحسابه الخاص بعد أن تقرّب من الإسلاميين المُقرفين وصار تحت رحمة الأمريكان، موظّفيه السابقين .. إنه فاشل ويجب أن يرحل .. لم نعد بحاجة إليه .. كنا أحرارا وسنظل .. نحن أبناء الوطن ويوم النصر قد هلّ.

 

أرجو أن يكون قُرّائي الأوفياء الذين خذلتهم بكتاباتي التحرّرية هذه الأسابيع الأخيرة، قد أرضتهم هذه المقدمة .. فبتدوين ما يرغبون في قراءته عبر تقزيم الحكومة وسياستها وتشويه الإسلاميين والإمبريالية والإنتاج والإنتاجية، يفترض أن استرجع البعض من حلمهم ودماثة أخلاقهم.       

 

فذكر المسائل التي تُغضب الناس وتوجيه النقد للأشياء كما هي وتحميل الأشخاص مسؤولياتهم هو أمر مُكلف لصاحبه وقد يتسبب له في تراجع شعبيته وبما أن محبة الآخرين ضرورية في الحياة فعلينا بمزيد من الشعبوية .. فهي مسألة حيوية بالنسبة إلى رجل السياسة .. لأن حب الناس سيتحوّل إلى أصوات في المحطات الإنتخابية.

 

ليس من السهل تقبّل الحقيقة وهو أمر اختبره جيدا اليونانيون والإسبان والبرتغاليون ودفعوا ثمنه باهظا .. الفنزويليون أيضا كانوا دفعوا ثمن ذلك وهم يعيشون اليوم في خصاصة بعد أن صدّقوا الكلمات المنمّقة لرئيسهم السابق هيغو شافيز.. الألمان بدورهم عاشوا هذه التجربة واختبروها قبل غيرهم فكانوا المبادرين إلى التشمير على ساعد الكد والعمل من أجل إنقاذ بلادهم وقد تمكنوا من ذلك .. ولنكن صرحاء مع بعضنا البعض بعيدا عن الشعارات الفضفاضة والعبارات الجوفاء .. لا وجود لوصفة سحرية لإنقاذ بلد ما كما لا توجد آلاف الوقفات لذلك .. هناك وصفتان فقط لتحقيق ذلك .. الأولى هي أن يكون اقتصادك شبيها باقتصاد الدول المنتجة للنفظ كدول الخليج وهي وصفة قريبة المدى تؤدي حتما إلى السقوط والإنهيار وأفضل مثالين على ذلك ما عرفته ليبيا وفينيزويلا .. أما الوصفة السحرية الثانية والتي نجحت في العالم المتقدّم فتتمثل في العمل وتحسين الإنتاجية.

 

فالعالم المتقدّم اكتشف منذ عقود أن:

/ الزيادات في الأجور تتسبب في التضخّم وتعطّل التشغيل

/ لا بد من التخفيض في الضرائب لدفع النمو والحث على إحداث المؤسسات ومواطن الشغل.

/ يجب التقليص من كتلة الأجور في القطاع العام والوظيفة العمومية

/ لا بد من خوصصة الشركات والمؤسسات الناشطة في القطاعات التنافسسية 

/ سياسة المساعدات الإجتماعية تؤدي حتما إلى الفقر

/ لا سبيل لتحفيز من لا يعمل ولا يجتهد لأن ذلك يكبح الإنتاجية ويعطّل كل من يعمل باجتهاد.

 

العالم المتقدم جرّب كل أشكال الإضرابات والإحتجاجات الإجتماعية قبل التوصل إلى مثل هذه الإستنتاجات .. فقط الإتحاد العام التونسي للشغل وبعض ورثاء ما تبقى من الشيوعيين الذين لم يستوعبوا الدرس بعد ولا كيف تدار الأمور .. هم يريدون الزيادات لكنهم يحتجون على غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار .. يريدون موارد للدولة لكنهم معترضين على الخوصصة (في حين أنهم قاموا بخوصصة شركة التأمين والنزل التابعين للإتحاد) .. يطالبون بارتفاع الدينار لكنهم لا ينتجون شيئا لدفعه.

 

نفذ اتحاد الشغل يوم الخميس الماضي إضرابا عاما للمطالبة مرة أخرى بالزيادات في الأجور .. فالنقابيون من حقهم طلب هذه الزيادة بالنظر إلى حالة التضخم التي تنخر البلاد منذ سنوات وباعتبار أن الزيادات شملت قطاعات أخرى .. وبالطبع رضخت الحكومة الحالية، على غرار تلك التي سبقتها (حكومة الحبيب الصيد)  وذلك حفاظا على السلم الإجتماعية وخوفا من مغبّة إضراب قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه .. كل هذه الحكومات الضعيفة بما فيها حكومات بن علي التي فضلت الهروب إلى الأمام والدخول في حلقة مفرغة (الزيادة في الأجور من جهة والترفيع في الأسعار من جهة ثانية) .. أي أن كل تلك الحكومات لم تجرؤ على مصارحة الشعب واقناعه بأن هذا الأسلوب خاطئ بما أنه تأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن القدرة الشرائية ستتدهور حتما رغم الزيادات المنتظمة في الأجور .

 

لا بد من وجود حكومة قوية جدا وهو ما لا يمكن إطلاقه على حكومة يوسف الشاهد .. فالقبول بإضراب بيوم من أجل رفض الزيادة في الأجور هو عنوان فشل سياسي رغم أن الإضراب في حد ذاته لم يكن ناجحا.

 

كان على يوسف الشاهد أن يحمّل جميع النقابيين والسياسيين مسؤولياتهم حتى وإن تطلب الأمر تعطيل دواليب الدولة لمدة أسابيع وهو ما سبقته إليه في بريطانيا العظمى مارغريت تاتشر التي وقفت آنذاك في وجه عمّال المناجم المضربين طوال سنة ونصف لكنها خرجت منتصرة في الأخير وأنقذت البلاد .. ماذا بريد المحتجون في تونس؟ المزيد من التداين والإقتراض بالعملة الصعبة من أجل زيادات ب160 دينارا للموظفين؟

 

يوسف الشاهد كان شرع في إصلاحات ما زالت معطّلة في مجلس نواب الشعب .. لا يمكنه أن يفعل أحسن من ذلك فالدستور لا يمنحه الصلاحيات الكافية لذلك .. الشاهد وجد الحلول المناسبة لكنها غير قابلة للتنفيذ لمجرد أن المنظمة الشغيلة ترفضها .. فما العمل  إذن ؟

 

بما أن الإضراب حتمي ولا رجعة فيه فإن أي رئيس للحكومة في بلد ديمقراطي عليه أن يكون قويا ويدافع بشراسة عن خياراته كلفه ذلك ما كلفه وهو ما قام به في وقت ما سعيد العايدي حين كان في منصب وزير للصحة ..

 

ما داموا مضربين فعلى رئيس الحكومة أن يتوجه نحو خوصصة الشركات والمؤسسات القابلة للتخصيص والناشطة في القطاعات التنافسية حيث لم يعد هناك مكان للدولة. عليه أن يعلن مواقع إنتاج النفط والفسفاط على غرار المناطق العسكرية المحظورة على المدنيين لأنه من غير المقبول أن يرتهن أهالي تلك المناطق مصير البلاد ومداخيلها .. لا بد من مراجعة مجلة الشغل عوضا عن مراجعة مجلة الإستثمارات لأن مجلة الشغل هي التي تعطل الإستثمار في بلادنا.

 

فتونس ليست بمعزل عن باقي الدول الأخرى .. فهي تخضع كغيرها إلى قانون الطبيعة .. فالحلول التي أتت أُكلها وثمارها في الأماكن الأخرى ستنجح حتما في تونس .. لا خيار لنا باعتبار أن الصعوبات التي تنتظرنا أشد وأقوى مما نحن عليه اليوم .. يكفي في هذا الصدد مقارنة التضحيات التي قام بها الألمان عن طيب خاطر وتلك التي تكبدها اليونانيون والفنزواليون رغما عنهم .. علينا فقد أن نختار إما أن نكون مثل الألمان أو مثل اليونان ..

 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter