alexametrics
آراء

يوسف بوتين وفلاديمير العذاري

مدّة القراءة : 5 دقيقة
يوسف بوتين وفلاديمير العذاري

 

نهاية الأسبوع الماضي كانت زاخرة بالتطورات والأحداث بالنسبة إلى حركة النهضة؛ الحزب الفائز في الإنتخابات التشريعية بمناسبة انعقاد مجلس الشورى وكانت أبرز نقطة في جدول أعمال الإجتماع: هل تتمسك الحركة برئاسة الحكومة أو تسند هذا المنصب لشخصية من خارج النهضة؟ 

 

رسميا يرجع القرار لمجلس الشورى للحسم في هذه المسألة انطلاقا من بعض المعايير والمقاييس التي ترتكز بالأساس على الولاء للحزب وللإيديولوجيا الإسلامية والقرب من شيخ الحركة والكفاءة. عمليا الشخصية الوحيدة التي تتخذ القرارات وتفرضها على الجميع (بطريقة ديمقراطية طبعا) هو الشيخ راشد الغنوشي.. فالمقاييس التي يختارها لا تختلف كثيرا عن مقاييس النهضة فقط الترتيب التفاضلي لتلك المقاييس هو الذي يختلف لتصبح كالتالي: الولاء لراشد الغنوشي يليه القرب من النهضة ثم الكفاءة في الأخير. 

 

وعلى هذا أساس تركزت النقاشات والحوارات في نهاية الأسبوع الفارط لتذهب في كل الاتجاهات.. فهناك من يرغب في تغيير ترتيب الأولويات بتفضيل مقياس الكفاءة وهم أشخاص متشبعون بالحس الوطني ويسعون إلى إنقاذ البلاد من الأزمة الإقتصادية الحادة.. هم يرون أن المصلحة تقتضي التعويل على شخصية تكنوقراطية جيدة من خارج الحزب ويتولى مهمة الأعمال القذرة ثم يلقى بها مثل ورقة "كلينكس" مستعملة.. كبش الفداء المثالي الذي سيجنّب قيادات النهضة محاسبة الشعب لها في صورة الفشل.. أما المرشحون من قبل الفئة الأولى هم خيام التركي (التكتل سابقا) والذي تمت التضحية به في قضية مفبركة في 2011. هو "التكنوقراط" الوحيد المستعد للقبول بهذا المنصب. إسمان آخران تم تداولهما في الكواليس وهما الفاضل عبد الكافي وحكيم بن حمودة ولكن يبدو أنهما سيرفضان هذا العرض بالنظر إلى كفاءتهما لذلك لن يقبلا بأن يكونا كبشي فداء لحركة النهضة. كما أنهما أذكى من أن يتم إسقاطهما في هكذا فخ. 

 

الفئة الثانية من أعضاء مجلس الشورى تطالب بشخصية إسلامية نهضاوية على رأس الحكومة وحجتهم في ذلك "أننا فزنا في الإنتخابات ولا يعقل أن نهدي ثمار فوزنا لشخصية خارجة عن حزبنا".. ولئن يبدو غريبا التعامل مع منصب حكومي كغنيمة حرب ولكن تلك هي أحكام الديمقراطية في بلد متوسطي.. أما الشخصية المرشحة من قبل المدافعين عن هذا الطرح فهم عبد اللطيف المكي وسمير ديلو ومحمد بن سالم وزياد العذارى.. غير أن هذا الرباعي أمامه منافس على القصبة "من الحجم الثقيل" وهو راشد الغنوشي. 

أحد أعضاء مجلس الشورى أفادنا قائلا: "نحن على يقين بأنه لن يمسك منصب رئيس الحكومة ولا رغبة له في ذلك ولكنه فقط يريد الإستفزاز"، موضحا أن هوية رئيس الحكومة معروفة بعدُ ولا يعرفها سوى راشد الغنوشي الذي لن يكشف عن إسمه إلا في الدقائق الأخيرة. 

 

أي أن مجلس الشورى المنعقد نهاية الأسبوع الماضي كان شكليا ولإعطاء الإنطباع بأنه هناك ديمقراطية تمارس داخل النهضة وبأنهم يشاركون في اتخاذ القرار.. الأدهى والأمرّ  أنهم يعتقدون في ذلك بمن فيهم أحد صقور النهضة، عبد اللطيف المكي الذي لا يملك من العظمة سوى تضخّم الأنا والبنية الجسدية لديه.. فالرجل لم يفلح حتى في الفوز في الإنتخابات الأخيرة ومع ذلك يرى أنه جدير بالمنصب الحكومي.! 

 

أما الفئة الثالثة فتضم النهضاويين الذين يدركون جيدا أن القرار يعود لراشد الغنوشي دون سواه لاختيار رئيس الحكومة القادم. ولتهدئة النفوس أعلن عبد الكريم الهاروني أن راشد الغنوشي سيتولّى هو نفسه رئاسة الحكومة في القصبة وهو خيار  منطقي ومنسجم إذا ما علمنا أن في معظم الأحزاب في العالم تتولى الشخصية الأولى في الحزب الفائز رئاسة الحكومة .. غير أن راشد الغنوشي يستجيب للشرطين الأولين وهما الولاء لشخصه وقربه من الحزب لكنه يفتقد الكفاءة المطلوبة.. إلا أنه وخلافا لبعض المحيطين به فإن راشد الغنوشي لا يدّعي عكس ذلك ويعرف حدوده جيدا أولا لاعتبارات صحية فصحته لا تؤهله بأن يتولى أعباء رئاسة الحكومة وهو يدرك أيضا أن قبوله بهذا المنصب سيبعده عن الممارسة السياسية الفعلية وإدارة شؤون النهضة وهو ما لن يقبله أبدا. 

 

لذلك فإنه سيختار شخصية أخرى لهذا المنصب يكون ولاؤها له شخصيا ثم للحركة ويأتي شرط الكفاءة في المقام الأخير. فقط ثلاثة أشخاص تتوفر فيهم هذه الشروط والمعايير وهم زياد العذاري وسمير ديلو وحسين الجزيري.. ويرجّح أن يختار راشد الغنوشي من بين هؤلاء ولو أن كل الإحتمالات مازالت ممكنة وقد يخرج علينا بالعصفور النادر في آخر لحظة. 

 

ومهما نختلف بشأنه فإن راشد الغنوشي شخص ذكي وبراغماتي فهو يعرف من أين جاء وماذا يريد وإلى أين يذهب.. فكل ما يريده اليوم هو فرض فكرة أن حركة النهضة هي حزب إسلامي مدني على غرار الديمقراطية المسيحية في أوروبا، قادر على احترام الدولة الأمة (وليس الخلافة التي يطمح لها صقوره) وعلى ضمان استمرارية الدولة مثلما فعله سلَفه أي أنه لن يغيّر النظام القائم.. فالثلاثي المذكور (العذاري وديلو والجزيري) يدرك جيدا مفهوم الدولة ويحترمها ويعرف دواليبها مع أفضلية لزياد العذاري عن الإثنين الآخرين. 

 

ليس من قبيل الصدفة أن يتم اختيار العذاري (من مواليد السبعينات) أمينا عاما للنهضة في جويلية 2016. فراشد الغنوشي يعدّ لمن سيخلفه منذ ثلاث سنوات ولا أحد ينكر أن زياد العذاري كان من أكثر القياديين التزاما واجتهادا.. فقد شغل عدة حقائب وزارية صلب حكومات الحبيب الصيد ويوسف الشاهد وقد كان جديرا بهذه الثقة. كان قريبا جدا من يوسف الشاهد إذ رافقه في معظم زياراته الرسمية ذات الطابع الإقتصادي. بفضل يوسف الشاهد أمكن لزياد العذاري ملاقاة العديد من كبار المسؤولين الدوليين الذين أعجبوا بكفاءته رغم أن مردوده لم يكن ممتازا ولا هزيلا. فهو من القلائل الذين بقوا لمدة خمس سنوات في الحكومة دون أن يتسبب في أي مشاكل تذكر خاصة أنه لم يكن مصدرا لأية عداوات جديدة ضد حركة النهضة كما أنه من بين القلائل الذين نجحوا في تحقيق الإجماع حولهم من قبل الجميع ولاسيما من خصومه الإيديولوجيين. 

 

لهذه الأسباب مجتمعة يبدو أن زياد العذاري سيكون ضمن عدد قليل جدا من الشخصيات القادرة على تشكيل حكومة وفاقية مقبولة في الداخل والخارج قبل أن يشرع في العمل بصورة عادية في كنف استمرارية الدولة ومواصلة ما بدأه سلفه على رأس الحكومة.. وستكون تلك أفضل رسالة لشركائنا الدوليين بما أن هذا السيناريو سيضمن الإستقرار المنشود.

 

بصورة أوضح زياد العذاري هو الشخص المؤهل لمواصلة الإتفاقات المبرمة مع صندوق النقد الدولي والإتحاد الأوروبي والبنك العالمي وطمأنة الشركاء الدوليين وضمان استمرارية الدولة وهو الذي سيكون وفيا لراشد الغنوشي والنهضة ولن يطعنهما في الظهر  كما أنّه سيطمئن الشباب بالنظر إلى عمره. 

 

فأيّة حكومة سيشكّل؟ نأمل أن تكون تلك التي ينتظرها الجميع.. الأكيد أن المعايير والشروط التي سيضعها العذاري ستكون مختلفة ومغايرة لما اتبعه رؤساء الحكومات المتعاقبة فهو سيضع الكفاءة في صدارة الشروط المطلوبة في فريق الحكومي. ويأتي في المقام الثاني في سلّم المعايير وزراء قادرون على ضمان استمرارية الدولة ومسنودون من قبل الكتل البرلمانية. لذلك قد يفضّل وجود وزراء في فريقه الحكومي من بين زملائه السابقين في الحكومة المنتمين لحركة تحيا تونس.. من ضمنهم من تم الإتصال بهم ويرجّح أنهم سيقبلون العرض رغم إنكار بعض المقربين من حزب يوسف الشاهد. إلى جانب هؤلاء هناك شخصيتان من التكنوقراط من بين زملائه الحاليين ستتم دعوتهما لللحاق بالحكومة الجديدة في صورة ترأسها زياد العذاري. 

 

ويبدو أنه لا يرى مانعا من اقتراح مناصب استراتيجية وعلى الأقل وزارة من وزارات السيادة على التيار الديمقراطي وخاصة إسناد حقيبة وزارة العدل لمحمد عبّو..

 

بالبحث والتنقيب هنا وهناك بين الثوريين والحداثيين والعلمانيين، سيسعى زياد العذاري إلى إرضاء الجميع وضمان نجاح مهمته والحد من ضراوة انتقادات خصومه. ويبدو أن شعار العذاري في مهمته هذه والذي سندافع عنه في وسائل الإعلام سيكون "معا من أجل إنقاذ البلاد". 

 

فهذا التمشي يندمج تماما مع الخطة التي اتبعها راشد الغنوشي منذ 2013 بعد لقاء باريس مع الباجي قايد السبسي وما أثمره من اتفاق أملاه الشركاء الدوليون وخاصة الأمريكان تحت شعار "احكموا معا".. أليست الديمقراطية ملهاة للشعوب؟!.. 

 

عمليا فإن الحداثيين كانوا مرة على رأس السلطة والنهضة في الحكومة (2014-2019) وهذه المرة ستكون النهضة في السلطة والحداثيون في الحكومة (2019-2024).. "فالحكم ينبغي أن لا يفلت من بين أيدينا ولا يحط الرحال عند "المجانين"، سواء كانوا ينتمون للجبهة الشعبية أو القوميين العروبيين أو الثوريين". 

 

وهذا لا يختلف كثيرا عن استراتيجية فلاديمير بوتين الذي طوّع المنظومة الديمقراطية لفائدته وخدمة مصالحه باختيار التداول على الحكم مع دميتري ميدفيديف بين رئاسة الجمهورية والوزارة الأولى. 

 

يبدو أن سُنّة التداول على الحكم بين يوسف الشاهد وزياد العذاري سيتم الحفاظ عليها خلال السنوات المقبلة.. يبقى السؤال المطروح من منهما سيتحلّى برباطة الجأش وسيلعب دور بوتين؟!. 

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter