alexametrics
آراء

یوما ما سيُنصف التاريخ .. زين العابدين بن علي

مدّة القراءة : 5 دقيقة
یوما ما سيُنصف التاريخ .. زين العابدين بن علي

 

من أكثر المواضیع التي استقطبت اهتمام مواقع التواصل الإجتماعي وألهبت نسق التعالیق فیها مقطع فیدیو أثار كثیرا من الجدل وهو كذلك حال قضیة في إطار العدالة الإنتقالیة أو الإنتقامیة كما یحلو للبعض توصیفها، والتي تسعى من خلالها بعض الأطراف إلى تشویه والإساءة لروح وإرث الزعیم الراحل رئیس الجمهوریة التونسیة ومؤسس تونس الحدیثة، الحبیب بورقیبة .. أما بخصوص مقطع الفیدیو الذي یظهر فیه النائب سفیان طوبال وهو یبذّر أوراقا مالیة من فئة المائة دولار، هذا التصرف لا یدخل في خانة الحیاة الشخصیة فطوبال نفسه یعلم جیدا أن أي شخص یفقد كل خصوصیاته ومفهوم الحیاة الخاصة بمجرد اختیاره أن یصبح شخصیة عامة .. خطورة المسألة لا تكمن في أن نائب الشعب كان بصدد "رشق" المال في إحدى العلب لیلیة أو ما یعرف بالكابریه، فسفیان طوبال في نهایة الأمر ذكر غیر قادر على كبح شهواته ونزواته ورغباته .. الخطورة تتمثل في أنه تم الإیقاع به كالأحمق .. ومن هذا المنطلق كیف یمكننا ائتمانه على شؤون البلاد ومنح ثقتنا في شخص وقع في الفخ مثل الأبله ؟ لكن أمثال سفیان طوبال یُعّدون بالعشرات في مشهدنا السیاسي .. فطوبال لیس أسوأ حالا من محمد عّبو أو عماد الدایمي مثلا .. غیر أن الفارق الوحید هو أنه وقع في الفخ على عكس الآخرین.

 

لكن مقطع الفیدیو الذي تحدثت عنه في البدایة لا یتعلق بطوبال بل بذلك المقطع الذي یظهر فیه أناس عادیون أي مواطنون تونسیون یمدحون زین العابدین بن علي .. تم تصویر هؤلاء في إطار برنامج تلفزیوني وكل ما قاموا به أنهم أصدحوا بما في قلوبهم، بصوت عال وهو ما لا یجرؤ الملایین من الناس على التصریح به علنا بعد جانفي 2011 .. خلاصة مواقفهم وآرائهم هي أن الوضع العام بالبلاد كان أفضل تحت قیادة زین العابدین بن علي أي قبل هذه الثورة "الملعونة" وقدوم "الخوانجیة" الذین یصفونهم بالملعونین أیضا وقبل مجيء هذا الجیل من السیاسیین الفاسدین الذین حكموا البلاد وأوصلوها إلى الخراب والدّمار.

 

بعد مضي تسع سنوات على الثورة، صار الناس یلعنون قادتهم السیاسیین والدیمقراطیة وحریة التعبیر.. فالمواطنون العادیون الذین تم تصویرهم سئموا وملّوا من غلاء الأسعار الذي تسبب فیه السماسرة والوسطاء والفاسدون المرتشون والمضاربون .. بعضهم یقول: "لم یكون هذا موجودا زمن بن علي .. قد یكون سارقا لكنه لم یسرق الزّوالي .. بن علي عرف كیف یتعامل مع الفقیر والمحتاج ..لا أحد كان یموت جوعا .. صحیح أن بعض أفراد عائلته كانوا یسرقون لكن الیوم صار كل السیاسیین سُّراقا".

 

الأكيد أن التيار الثوري وحملات الشيطنة وموجة الإيقافات التي عقبت الثورة كانت تعيق الإصداح بما كان يؤمن به ملايين التونسيين .. البعض صار يقول: "لا يتعنيني بن علي ولا الثورة أريد أن أعيش وأوفّر الأكل لعائلتي .. بن علي ليس عدوا لنا بل الإسلاميون .. كنا نأمل في تحقيق ديمقراطية حقيقية وعدالة حقيقية وحرية تعبير حقيقية ونزاهة حقيقية لدى السياسيين".

 

حسب رأيي هناك حدثان إثنان أججا نار الحنين إلى الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي وأعادا نظامي بورقيبة وبن علي للظهور من جديد في وسائل الإعلام .. أولهما قضية صالح بن يوسف والتي يحاول خلالها الثورجيون إعادة كتابة تاريخ تونس، إنطلاقا من القاعدة التي تقول إن التاريخ يكتبه المنتصرون، غير أن سهام بن سدرين وراشد الغنوشي ومنصف المرزوقي (آباء ما يعرف عن غير وجه حق بالعدالة الإنتقالية) لم  ينتصروا بعد.. فنحن اللائكيون الحداثيون، ورثة الحبيب بورقيبة، ما زلنا على قيد الحياة ولن ترك لهم هذا الوطن.

 

فنحن لم نستسلم بعد .. مازلنا هنا واقفين .. وطالما ما زال النفس موجودا فلن يتمكنوا من إعادة كتابة التاريخ .. ثم إننا لسنا مثلهم ولا نشبههم في شيء .. لسنا نحن من يتخلى عن البلد حين يصيبه بأس .. ليس لنا مكان آخر سواه .. طالما نحن أحياء فإن بورقيبة سيبقى حيا، غصبا عن الخوانجية والثورجيين واليوسفيين والقوميين والخونة .. لن يقدروا على تشويهه ولا على إعادة كتابة التاريخ حسب أهوائهم وأجنداتهم .. فليرفعوا مئات القضايا ولينتفعوا بما طالب لهم من العفو .. لكنهم سيظلون خونة في أعيننا إلى أبد الآبدين .. قد يحظون بإعجاب أصدقائهم الفرنسيين والألمان والأمريكان لكن لن يحظوا أبدا باحترام الشعب التونسي.

 

الحدث الثاني هو الرسالة التي توجه بها زين العابدين بن علي ونشرت من قبل محاميه منير بن صالحة والتي يؤكد فيها بن علي أنه سيعود إلى تونس يوما ما إن شاء الله .. هذان الحدثان حررا ألسنة الكثيرين ممن يأخذهم الحنين إلى بن علي وأيامه .. وهو ما لم يرق لمن يدّعون النفس الثوري مما دفعهم للجوء إلى الطرق الإستفزازية والشتائم كعادتهم واصفين إياهم بالمغفلين والحمقى وبيادق الإماراتيين والسعوديين.

 

منذ تسع سنين والوضع على هذا الحال .. ما زال البعض يكيل لبن علي ونظامه كل أنواع الشتائم .. نظام دموي، دكتاتوري، سارق، فاسد .. حمّلوا بن علي مسؤولية كل المصائب التي حلّت بالبلاد دون النظر إلى ما أنجزه الرّجل .. بل أكثر من ذلك فقد حمّلوه مسؤولية مقتل 300 شخص (البعض يعتبرهم عن جهل شهداء، لأن فيهم من كان أيام الثورة بصدد السرقة والتخريب) في حين أن معظم الضحايا سقطوا برصاص أُطلق عليهم بعد فرار زين العابدين بن علي.

 

الحقيقة أن بن علي لم يكن ملاكا ولم يدّع يوما أنه كذلك .. صحيح أنه روّع وعذّب المئات من الإسلاميين وغيرهم من السياسيين الذين تجرؤوا على مواجهته ومعارضته .. لكن هذا لا يشكّل الصورة المكتملة للحقيقة فإن الإسلاميين الذين تم ترويعهم وتعذيبهم ليسوا جميعا ضحايا ولا أبرياء مثل يزعمون .. هناك من الإسلاميين من لم يقضي يوما واحدا في السجن على، غرار نور الدين البحيري .. كما يوجد معارضون لم يقبعوا ولو ليلة واحدة وراء القضبان أمثال مصطفى بن جعفر وأحمد نجيب الشابي ومنصف المرزوقي الذي لم يدخل السجن أبدى على عكس ما يدّعي فقد تم إيقافه تحفظيا قبل أن يطلق سراحه ويتمتع بكامل حريته وحقوقه بما في ذلك التدريس بجامعة عمومية وممارسة مهنة الطب في مؤسسة استشفائية عمومية، فضلا عن حقه في السفر إلى الخارج. كان ذلك خياره وكان بإمكانه العودة إلى تونس في أي وقت يرغب في ذلك باعتباره لم يكن محكوما عليه ولا مفتشا عنه .. كما علينا التذكير بأن هذا الجمع الكريم من المعارضين كانوا يسكنون في عهد بن علي الفيلات الفخمة في الأحياء الراقية في ضواحي تونس العاصمة ومدينة سوسة.

 

في المقابل فإن العديد ممن روّعهم وعذّبهم نظام بن علي، عليهم العديد من المآخذات، من قبيل حمادي الجبالي وعلي العريّض أو أولئك الذين غادروا البلاد في عهده مثل سليم بن حميدان وعماد الدايمي أو حتى سهام بن سدرين التي كانت تقبض المال من جهات أجنبية حتى تخوض معركتها ضد بن علي.

 

في كل الأحوال فإن هؤلاء لا يمكنهم الإشراف على مسار العدالة الإنتقالية ولا إعادة كتابة التاريخ فهم معنيون مباشرة بهذا الملف وحولهم الكثير من الشبهات لذلك لا يستطيعون أن يحظوا بالمصداقية اللازمة والمطلوبة لمثل هذه المهمة التاريخية .. لأنه بكل بساطة لا يحق لنا أن نكذب على أبنائنا وأجيالنا القادمة.

 

زين العابدين بن علي لم يكن ملاكا لكنه كذلك لم يكن شيطانا مثلما يريد أن يصوّره لنا هؤلاء الثورجيون .. صحيح أنه أضر بالبلاد إلا أنه أنجز الكثير لفائدته .. الأكيد أنه لا حد بإمكانه أن يشكك في وطنيته وحبه للبلاد مثلما يؤكد ذلك العديد من معارضيه .. لا يمكن التعامل معه على أنه إما جيّد أو سيئ .. للمؤرخون أن يقولوا لنا أين كانت خصاله ومساوئه وهذا ليس شأن رجال السياسة ولا القضاة الذين تحوم حول بعضهم أيضا بعض الشبهات والحال أن في مسار العدالة الإنتقالية مثلما رسمته سهام بن سدرين وجماعتها، تم وضع القضاة جانبا حتى لا تتم ملاحقتهم ومحاسبتهم عما كانوا اقترفوه في الماضي.

 

الدرس الذي يمكن أن نستخلصه من مقطع الفيديو المذكور آنفا وردود الفعل الرافضة للقضية المزعومة ضد بورقيبة، هو أن تاريخ تونس لا يجب أن يكتبه من فاز في 2011 (لم يعودوا الفائزين) ولا الحفاظ عليه مثلما كتبه الفائزون أيام حكم  بورقيبة وبن علي .. التاريخ يجب أن يكتبه المؤرخون وبذلك فقط ننصف بورقيبة وبن علي وتونس والتونسيين كافة.   

 

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter