alexametrics
آراء

تونس ليست دولة مدنية... تلك هي الحقيقة

مدّة القراءة : 3 دقيقة
تونس ليست دولة مدنية... تلك هي الحقيقة

 

تعيش تونس على وقع الذكرى الثامنة لاندلاع الانتفاضة الثورية في 17 ديسمبر 2010، بعد أن كانت الآمال متجهة الى تحقيق دولة العدالة والرفاه والحقوق والحريات.

أُسقِطَت سلطة بن علي، بسبب غياب كلّ تلك القيم، وباعتبار الطابع السلطوي والديكتاتوري لنظامه. لكن اليوم وبعد مرور ثماني سنوات هل حقّق التونسيون ما أسقطوا من أجله سلطة الديكتاتور؟ هل أصبحت تونس دولة الحقوق والحريات؟ وباختصار هل أصبحت تونس دولة مدنية؟

لن نعمل على المقارنة بين فترة عاشتها تونس تحت سلطة ديكتاتورية وفترة جديدة، لا شكّ أنّها تتسم بمجالات للحرية والتعبير والنقد كانت غائبة عن فترة اتسمت بالهوية البوليسية.

منذ سقوط سلطة بن علي في 14 جانفي 2011، تمّ التوجّه لتنظيم الصراعات الى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي، واختصار العملية الثورية برمتها في تنافس عبر الصندوق، رغم أنّ الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية كانت مثقلة بسنوات من التهميش والتفقير ورفض المختلف والتشجيع على الشعوذة والاسطورة، لذلك لم يكن مستغربا أن يفوز اليمين الديني وحلفائه في الانتخابات.

كانت كلّ المؤشّرات تدلّ على أنّ تونس سقطت في الفخ عندما رفعت بعض الأصوات ومنها النهضة شعار "الشريعة الإسلامية أصل التشريع" أي أنّنا بدأنا الانحدار نحو سطوة وسلطة رجال الدين، إذن كان باديا أنّ تونس تنتقل من الأوليغارشية الى الثيوقراطية.

لقد استطاع المجتمع المدني في تونس أن يعدّل الكفّة ويغيّر موازين القوى ولو نسبيا، وكان دور الاتحاد العام التونسي للشغل دورا محوريا، كما لعبت العديد من وسائل الاعلام والصحفيين دورا مهمّا في إيقاف نزيف الانحدار.

لقد تمّ التعديل في الكثير من المبادئ والفصول في الدستور، الذي كان يمكن أن يكون شبيها بدساتير الأنظمة الشمولية، ولكن رغم كلّ ذلك لم يخل من الفخاخ.

عندما نسائل أهم عناوين الحراك في تونس بعد ثماني سنوات، هل نجد فعلا أننا حقّقنا من خلال الدستور ومن خلال القوانين والممارسات والتمثلات والقيم... الدولة المدنية؟

الدولة المدنية، بكل بساطة هي دولة المواطنين، يتساوى فيها الجميع بقطع النظر عن الدين أو اللون أو الجنس أو الفكر... ولا يتعرّض فيها الناس الى الانتهاكات ويكون قضاؤها عادلا ومواطنوها أحرارا.

هل تحقّق ذلك في تونس بعد ثماني سنوات من الثورة؟

في الدستور لا يحقّ لغير المسلم الترشّح لرئاسة الجمهورية، فالفصل 74 واضح وهو ينصّ على أنّ «الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية حقّ لكلّ ناخبة أو ناخب تونسي الجنسية منذ الولادة، دينه الإسلام»

هذا الشرط يضع حدّا دينيا لحقّ المواطنة، اذن نحن أمام مواطنين دينهم الإسلام لهم الحق في الترشّح لأعلى منصب في الدولة ومواطنين درجة ثانية غير مسلمين لا يحقّ لهم الترشّح لمنصب رئيس الجمهورية.

الأمر لم يبق في حدود القضايا الدستورية، بل هو بصدد التغلغل في مفاصل الدولة والمجتمع ألم ينصّ النظام الأساسي للبنك المركزي على مراعاة خصوصيات الصيرفة الإسلامية بما تعنيه من استتباعات قيمية ومفاهيمية وبالتالي سياسية.

ثمّ ما ذا تعني المساجد في ثكنات دولة يقول دستورها في فصله الثاني «تونس دولة مدنية، تقوم على المواطنة، وإرادة الشعب، وعلوية القانون».

إنّ متابعة المشهد السياسي والحراك الاجتماعي في تونس، لا يعني الاكتفاء بموازين القوى ودراسة حركتها وتغيّراته، بل يمكن أن تذهب الى فهم لغة الخطاب والمصطلحات المستخدمة عمدا من أجل العناصر التي تشكّل تلك القوى، فاستعمال مفاهيم مثل صندوق الزكاة، مع رفض مشروع صندوق البطالة وترويج مفاهيم مثل ثنائية الخير والشر أو المقدّس والمدنّس والإصرار على الاستشهاد بأمثلة تعطي صورة نمطية عن المرأة وتميّز الرجل عنها وتطلق ألقابا مثل الشيخ والعلماء على الباحثين في المقاربات الإسلامية.

مع العلم بأنّ التعريف العام المتعارف عليه للعلم هو المعرفة المنظّمة وفقا لقواعد وقوانين، وتشمل علوم الطبيعة وعلوم الانسان.

إنّ لغة الخطاب المستخدمة في المنطوق والمكتوب في المشهد السياسي في مجاله الأكثر تأثيرا، مثل خطاب السلطة السياسية والتي تمثّل النهضة أحد ركائزها، تدفع نحو ثنائية دينية تكون فيها الغلبة للمجال الديني على حساب بقية المجالات، بمعنى أنّ "الشيخ" أو "العالم" ينطق انطلاقا من خطاب مقدّس واحد هو كلام الله وقول رسوله، وبالتالي فانّه لا يقول ما يمكن أن يكون خطأ أي أنّ خلافه هو الخطأ وبالتالي فانّ كل ما ليس تابعا مواليا له هو موال وتابع لخطاب آخر غير الخطاب الديني الذي هو خطاب الشيخ فالرسول ثم الله، ,من يخالف كلام الله ورسوله فهو بالضرورة خارج عن الملّة أو كافر.

إذن نحن أمام خطاب سياسي تكفيري، يخفي رغبة جامعة في الدفع نحو دولة ثيوقراطية، لا تؤمن بالحرية ولا بالتفكير ولا بالنقد، فهي دولة الولاء والطاعة، وبالتالي لا يمكن أن تكون فضاء سياسيا للمواطنة بل فضاء للرعايا والتابعين.

بهذا المعني فانّ النظر الى عناصر ومكوّنات مؤسسة الدولة التونسية من خلال: منظومتها القانونية، مثلا مجلّة الشغل التي تساوي بين المرأة والطفل في علاقة بمواقيت العمل، أو مجلّة الأحوال الشخصية التي مازالت تجعل من الرجل ربّا للعائلة وتجعل منه الوارث الأكبر ولا تساوي بينه وبين المرأة ... ومن خلال خطابها السياسي حيث يتعمّد جلّ السياسيين الى استغلال المعطى الديني المشترك لأهداف سياسية، أو الترويج لصورة نمطية للمرأة لدى كلّ الأطراف السياسية الفاعلة سواء النهضة أو النداء أو الجبهة الشعبية... أو من خلال التواطؤ مع خطاب التكفير والتطرّف الديني أو خطاب التخوين كالذي يروّج له حزب التحرير الذي يرفض صراحة الدولة المدنية ويجرّم الديمقراطية.

كما أنّ مكوّنات الدولة التونسية مازالت تصرّ على التمييز بين المسلم وغير المسلم.

كلّ تلك العناصر وغيرها، تجعل مقولة تونس دولة مدنية، لم تخرج من دائرة الوهم، فالواقع يفنّد ذلك، اذ أنّه رغم مرور ثماني سنوات على الثورة، والتي يفترض أنّنا اليوم في مرحلة التأسيس للقيم الكونية من أجل تحرير الانسان من الخرافة والشعوذة والوهم والسلوك القروسطي...

 إنّ القوانين المستندة الى العقل وإرادة الانسان الحرّة وحدها قادرة على التأسيس لدولة مدنية، فالقوانين التي أسّس لها أشخاص لا يؤمنون بالعقل لن تكون أساسا لدولة مدنية. يقول سبينوزا: "إنّ القوانين التي تلجم الأفواه وتحطم الأقدار تهدّم نفسها بنفسها، لأنه لن يلبث الناس أمدا طويلا على احترامهم للقوانين التي تجيز لهم أن ينتقدوها"

تعليقك

(x) المدخلات المطلوبة

شروط الإستعمال

Les commentaires sont envoyés par les lecteurs de Business News et ne reflètent pas l'opinion de la rédaction. La publication des commentaires se fait 7j/7 entre 8h et 22h. Les commentaires postés après 22h sont publiés le lendemain.

Aucun commentaire jugé contraire aux lois tunisiennes ou contraire aux règles de modération de Business News ne sera publié.

Business News se réserve le droit de retirer tout commentaire après publication, sans aviser le rédacteur dudit commentaire

Commentaires

Commenter

تقرؤون أيضا

03 جانفي 2022 16:04
0
30 ديسمبر 2021 16:29
0
27 ديسمبر 2021 17:00
0